الدين في كواليس البشرية (6) ….. بقلم : جمال عمر


استعرضنا من قبل كم النزوير والضلال الذي أضافه البشر نتيجة سوء استخدام هبة "الإبداع" أو الإتيان بالجديد التي منحها الله لبني آدم ليعمروا بها الأرض ، ورأينا أن أحد أبرز أشكال سوء الاستخدام لهذه الهبة تتمثل في تزوير كل الحقائق الكونية والعلمية التي أنزلها الله في دستوره المتكامل للحياة ، وذلك بإغلاق أبواب الفهم والتدبر في كل آيات العلوم البحتة التي ذكرها سبحانه في أكثر من ثلاثة آلاف آية في كتابه العزيز ، وبالقطع كان على رأسها تزوير مفاهيم الدين والعبادة والتي بدأوها بالخلط المتعمد بين العبودية والعبادة ، وبالتالي الخلط المتعمد بين مناسك العبودية وبين مهمة العبادة التي خلقهم الله من أجلها وهي إعمار الأرض كخلفاء عليها ، بل وكرمهم وسخر لهم الملائكة لتسجد لهم وتدعو وتستغفر لهم وتحفظهم من أجلها .

فكل ما خلق الله في كونه .. هم عبيده ، إنسا أو جنا أو حتى حيوانات أو شجر أو حجر ، بمعنى أدق .. كل فئات خلقه المعروفة بداية من فئة الخدمة كالسماوات والأرض والنجوم والكواكب والهواء والماء والتراب ، ثم الخزنة وهم الموكلون بخزائن السماوات والأرض ثم الجنود والرسل وختاما بفئة العمار (الإنس والجن) أو الثقلين ، الكل عبيده .. {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً }مريم93 ، ولكل عبد منهم حدد له مناسك عبودية ، يعلن بها خضوعه وخشوعه لخالقه ويسبح بحمده كما أوضحها سبحانه في سور الإسراء44 ، والنور41 ، والحشر 24 ، والجمعة1 ، والتغابن1 {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً }الإسراء44.

فإعلان العبودية وخضوع المخلوق للخالق لا فكاك منه ولا اعتراض لمخلوق عليه ، إلا لو كان له الخيرة في أن يفعل أو لا يفعل وهي "إرادة الاختيار" التي تحمل الإنسان أمانتها ، فكان ظلوما لنفسه جهولا بقدراته على تحمل الأمانة ، لأنه شاء أن يتحمل أمانتين عظيمتين أولاهما أمانة العبودية لله ، والثانية أمانة أداء مهمة العبادة باختياره ، وهي أمانة رفضت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها لثقلها وخطورتها ، لأنها "إرادة الاختيار" في أن يفعل أو يفعل ، وكذلك كل فئات خلق الله غير الإنسان مكلفة بالمهمتين الأساسيتين ، الأولى أداء مناسك العبودية لإعلان الخضوع لله ، والثانية هي العبادة وهي أداء المهمة التي خلقه الله من أجلها ، والفارق بينهم كبير ، فالعبودية لا خيار مخلوق فيها ، أما العبادة فهي أفعال يفعلها المخلوق ليؤدي بها المهمة التي خلقه الله من أجلها ليثبت لله أنه يستحق العبودية ، والإنسان قبل ورضي أن يتحمل مسئولية أن يؤدي المهمتين (العبودية ، العبادة) باختياره وإرادته .

والعبودية لا تختلف من مخلوق لآخر ، وإن اختلفت قدور وأشكال مناسك العبودية فيما بينهم تبعا لنوع الخلق وقدراته ومعطياته ، أما العبادة التي هي (أداء المهمة التي خلقه الله من أجلها) فهي تختلف كثيرا باختلاف نوعية المخلوقات خاصة لو كان من فئة العمار ، فمهمة العمار هي أكرم وأجل مهام المخلوقات في الكون ، فهم مكلفون بإعمار الكون ، ومنهم الإنسان المكلف بإعمار الأرض لقوله تعالى .. { .. هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا … }هود61 ، بمعنى كلفكم بمهمة إعمارها ، وتلك هي مهمة العبادة المكلف بها بني آدم على الأرض ، ومن أنكرها فقد كفر بقيومية الله عليه ، تماما مثل من ينكر مناسك العبودية ، فإنكار أو طمس أيا من مناسك العبودية أو مهمة العبادة يعتبره سبحانه تزويرا وبهتانا وطمسا لدين الله ، وهو ما اعتدنا أن نمارسه بمنتهى الأريحية منذ قرون طويلة ، مع أن الله تعالى عاتبنا في هذا بقوله .. {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }الحجرات16.

ولم يرتكب ابن آدم ذنبا أعظم وأخطر من الخلط بين مناسك العبودية (كالصلاة والصيام والزكاة وذكر الله والحج) ، وبين مهمة العبادة التي خلقنا الله من أجلها وهي إعمار الأرض بالعلم والعمل والكد والكدح ، حتى قال لنا رب العزة .. {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ }الانشقاق6 ، ففي ماذا نكدح ولماذا ، بل لماذا ينزل الله ما يقرب من نصف القرآن علوم بحتة تحدد نواميس (قوانين) العلم في كونه ، ولماذا قال لنا "واستعمركم فيها" ، بل لماذا يعتبر سبحانه وتعالى من يفسد في الأرض كأنه أعلن الحرب على الله ويحدد له أشد العقوبات تفصيلا في الدنيا والآخرة في آية الحرابة .. {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }المائدة33 .

والعجيب أن ابن آدم ومنذ عهد آدم يرتكب أحد الجريمتين ولا ثالث لهما وهما اللتان تحددان انتماءه ونوعه ، الجريمة الأولى أن يدعي أنه من أحباب الله وخاصته وأن العبادة هي أداء مناسك العبودية والتقرب إلى الله وأصحابها يعتبرون من نوع الدراويش الذين لا قيمة لهم في الدنيا ولا في الآخرة مهما فعلوا من مناسك العبودية ، لأنه بذلك متأله على ربه ، وفاسق مدعي بالباطل وكافر بقيومية الله الله عليه مثل إبليس ، بل هو أضل حتى ولو سجد عمره معتكفا في الحرم ، والجريمة الثانية أن يعمر الأرض لحسابه الخاص وينكر وجود الله أو ينكر علاقته سبحانه بما يفعله على الأرض ، وهؤلاء مثل الغالبية العظمى للبشر ، وهؤلاء لهم الأفضلية على الفئة الأولى في الدنيا ، لأنهم يتقنون تنفيذ مهمة العبادة (إعمار الأرض) ، ولذلك ينتفي العجب عندما نرى سبحانه يخاطب الكفرة الذين يعمرون الأرض في كتابه العزيز بلفظ "عبادي" ، فهم بالفعل ينفذون مهمة العبادة ، حتى قال عيسى رضي الله عنه في ختام رده على ربه عند سؤاله سبحانه له .. "ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله" .. فقال .. {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }المائدة118 ، وهو الرد الذي حيرني عقودا طويلة ولم أجد له تفسيرا في ميراث المسلمين حتى يومنا هذا ، فكيف يكون من يكفرون بالله ويتخذون بشرا إلها من عباد الله ويؤكدها عيسى عليه السلام بقوله "فإنهم عبادك" ؟؟؟ .

ولا شك .. أن القرآن العظيم قد وضح الفارق بين مناسك العبودية ، وبين مهمة العبادة التي خلق الله بني آدم من أجلها ، حيث اكتشفت أن الخالق العظيم قد منح ابن آدم في نفسه فطرة وشهوة الإعمار في الأرض ومنحه من أجلها أحد صفاته سبحانه وهي "الإبداع" وهي الرغبة الإتيان بالجديد لتعينه على إتمام مهمته التي خلقه من أجلها وهي (الإعمار" ، ولذلك تكرر لفظ عبادي لكثير من الكفرة والمشركين ، فهم أهملوا أو أنكروا مناسك العبودية ، بل إن الله قد شاء أن يخلق في دنياه مؤمنين ومسلمين وكفرة ومشركين ويهود ونصارى وصابئين ، فلا أحد منهم كان له الاختيار في أيا من المعطيات التي خلقه الله عليها في الدنيا ، والله يقبل منهم ويعينهم على معتقداتهم ما داموا ينفذون مهمة العبادة (الإعمار) ، بل ومن أكبر نواميس الكون ، أن من يتقن إعمار الأرض يكن سيدا عليها وعلى كل من لا يتقن إعمارها ، حتى ولو كان حافظا للقرآن العظيم أو أكبر علماء الدين كما يدعون ، فمن ترك الإعمار (بالعلم والعمل) أهانه الله في الدنيا ، ومن أتقن الإعمار هدى الله قلبه لحسن العبودية ، ويقبل توبته ويبدل سيئاته حسنات ويقبله مع الصديقين والنبيين والشهداء .. {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }الفرقان70، .. بل إن الله يهدي قلوب من يجتهد في العلوم ويعلمهم خشيته سبحانه .. {ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ … }الأنعام88 ، ومن شاء أن يتعلم ويعلم ويعمل بما يعلمه فالله يهدي قلبه ويملأ قلبه إيمانا وخشية من الله لقوله تعالى .. {… كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ }فاطر28 ، ويهبهم الحكمة جزاءا مستحقا في الدنيا ، {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ }البقرة269 ، فاختلاف الاعتقاد بين الكفر والإيمان هي مشيئة الله في خلقه وليس لبشر أن يتدخل فيها أو يفرض إرادته على غيره من البشر … {وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }النحل93 .

وتعد جريمة الخلط بين مناسك العبودية ، ومهمة العبادة (إعمار الأرض) هي من أكبر وأخطر وأكثر جرائم المسلمين شيوعا وانتشارا ، ولذلك ساد المسلمون الأوائل العالم بالعلم البحت في أقل من مائة عام وما زالت علومهم التي استقوها من آيات القرآن الكريم هي صاحبة الفضل فيما نحن فيه من تقدم وتطور ولنسأل عن الخوارزمي والفارابي وابن رشد وابن سيناء وابن الهيثم وجابر بن حيان وغيرهم المئات ، ولكنهم عندما سقطوا في الضلال وتزوير الدين وخلطوا بين مناسك العبودية (الصلاة والصيام والزكاة والذكر والحج) وبين مهمة العبادة (إعمار الأرض بالعلم والعمل) ، فأهملوا العلم والعمل ، وادعوا أن العبادة هي أداء مناسك العبودية ، خسروا الدنيا والآخرة ، وتفرغوا للدروشة ، فسقطوا وهانوا على الله فأهانهم في الدنيا ، ولهم في الآخرة عذاب عظيم ، لأنهم بذلك أصبحوا أكثر ضلالا وجريمة من إبليس ، فإبليس لم ينكر مهمته ولا مناسك عبوديته ، هو فقط استكبر ورفض السجود لهذا المخلوق صاحب الجسد الطيني ، ولكن المسلمون زوروا دين الله وابتدعوا دينا منحرفا لا وجود فيه لمهمة العبادة (إتقان إعمار الأرض) وأغلقوا أبواب الفهم في دستور الحياة الأعظم (القرآن العظيم) ، بل وادعوا عليه كذبا وزورا وقالوا عنه أنه لا تفسير لمعظم آياته إلا يوم القيامة ، فكان عقابهم من الله إذلالا وهوانا في الدنيا وعذاب عظيم في الآخرة .

ولا عجب ولا فضل للمسلمين على غيرهم ، فهم بعض من بني آدم من البشر تشابهت قلوبهم وأخطاءهم وشهواتهم ، فهم الذين حاربوا الرسل والأنبياء وكذبوهم جميعا ، ثم طمسوا رسالاتهم من بعدهم ، فهم من أخفوا التوراة وألفوا التلمود ، وكذلك هم أيضا من أخفوا الإنجيل وألفوا بدلا منه (360) إنجيلا مزورا ثم اختصروهم في أربعة ، وما زالوا يصححون فيها ويلغون كثيرا من تخريفاتها التي لا تليق حتى بحدود الأخلاق أو أبسط قواعد العلم ، وهم أيضا من أغلقوا الفهم في القرآن العظيم ، وتحولوا لدراويش باسم الدين ، ثم أصبحوا إرهابيين يقتل بعضهم بعضا باسم الدين ، بعد تزوير وتحريف مفاهيم (الفقه) الحدود والفروض والمعاملات المذكورة في (200) فقط من الآيات والتي أسموها العلم الشرعي وادعوا أنها هي كل العلوم التي جاءت في القرآن كاملا ، وبالتالي فلا عجب أن يزوروا مفاهيم هذه الـ (200) مئتي آية ويختلفوا حولها ، وينقسموا لفرق وجماعات فوق السبعين ، حتى أصبحوا بها من المشركين بانتماءهم للفرق والجماعات ، رغم أن الله حذرهم بمنتهى الوضوح من الانتماء للفرق والجماعات بقوله تعالى .. {.. وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ }الروم32 ، وهم أيضا من أغلق أبواب الفهم والتدبر في أكثر من 3000 آية ، حتى لا يفتضح ضلالهم وكفرهم بقيومية الله ، ولا خير في البشر أيا كانوا ، ولا أمل لهم إن لم يعودوا للعبادة والتي هي إعمار الدنيا بالعلم والعمل كخلفاء لله عليها ، مهتدين بحدود العلوم البحتة المتكاملة ، والتي أنزلها خالقهم وخالق كل شيء في القرآن العظيم .

أخيرا .. يجب أن ننتبه ونفرق جيدا .. بين مناسك الخضوع بالعبودية في أي دين أو ملة مثل (الصلاة – الصيام – الزكاة – الذكر – الحج) ، وبين مهمة العبادة المفروضة على كل إنسان ، والتي هي إعمار الأرض بالعلم والعمل والكد والكدح ، أيا كان الدين والملة التي ولد عليها ، لأن العبادة (إعمار الأرض) هي الهدف من الحياة ، ولذلك يفضلها الله على مناسك العبودية في الدنيا ، لأن مناسك العبودية قد فرضها الله على كل أمة من فئات ونوعيات خلقه سواءا من البشر أو الحيوان أو الطيور أو حتى الحشرات وأي كائن حي لقوله تعالى … {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ }الأنعام38 ، وقد جعل الله لكل أمة منهم مناسك عبوديتها لقوله تعالى .. {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ }الحج67 ، ولكنه سبحانه وتعالى لا يحاسب بشرا في الدنيا على مناسك العبودية مطلقا ، بل يؤجل الحساب والثواب والعقاب عليها إلى يوم القيامة في الآخرة لأسباب كثيرة أهمها حكمة الاختلاف على الأرض بين البشر ، وثانيها أنها مستدركة بتكرار النشأة مرة ومرات .

بينما يحاسب سبحانه ويعاقب في الدنيا مباشرة على أداء مهمة العبادة (الإعمار) بإذلال من يهملها وتحقيره في الدنيا بين خلقه ، ثم يؤخر له عذاب عظيم في الآخرة ، وذلك هو سر إذلال وتحقير وهوان كل من يهمل إتقان إعمار الأرض بالعلم والعمل الصالح الذي تصلح به أحوال الدنيا وحياة البشر أيا كانت ملامح ومناسك ومظاهر عبوديتهم ، بل إن الله يفسد قلوب وحياة من يزورون مهمة العبادة (الإعمار) ويدعون أنها في مناسك العبودية ، عقابا لهم على فساد نفوسهم وتألههم على الله وكفرهم بقيويمة الله ، ويصلح قلوب من يخلص في إتقان إعمار أرضه ويهديهم ويبدل سيئاتهم حسنات ، ولا ننسى أن خير الناس أنفعهم للناس ، فما خلقنا الله لنصلي ونؤدي مناسك ، وإلا فلماذا يمنحنا الله قدرات عقلية وجسدية ويرزقنا من مختلف أنواع رزقه على الأرض ، ولماذا ينزل علينا حدود كل العلوم البحتة في الكون فيما يقرب من نصف القرآن العظيم ، ولماذا يوصي رسولنا الكريم .. "لو قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة (نبتة) فليغرسها" ـ إلا أن يكون الهدف الأسمى من وجودنا على الأرض هو الإعمار ، وهو ميزان الحساب الأرفع والأهم والأعظم والأبقى .

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

الأنثى العقربوطية …. بقلم : جمال عمر

سامحوني أولا قبل الخوض في هذا الموضوع الشائك ، خاصة وأنه يتعلق أساسا بالأنثى ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *