من أنت .. ولماذا .. وإلى أين ؟؟؟ (3) … بقلم : جمال عمر


توقفنا مسبقا عند استعراض معنى العبادة .. وهو ما يؤدي بنا لمراجعة مفهوم الدين ، والذي تكرر تزويره كاملا عبر التاريخ عدة مرات ، فتزوير مفهوم الدين يسقط البشر في مختلف أنواع الضلالات فتتفشى وتتحكم الأساطير في فكر ومعتقدات البشر، وهو ما نجح إبليس في نشره بين البشر عدة مرات بداية مما قبل عصر نوح عليه السلام ، حيث نجح في إفساد عقيدة معظم البشر ، فكان الطوفان عقابهم الإلهي ، ثم تكرر بعدها في اليهودية فانقسم اليهود إلى ما يزيد عن الستين (60) فرقة وجماعة رعم صغر تعدادهم عبر التاريخ ، ثم تكرر تزوير مفهوم الدين في المسيحية مرة ثالثة فانقسمت المسيحية لما يزيد عن السبعين فرقة وجماعة ، حتى جاء الإسلام ليتكرر معه نفس الفكر المضلل بتزوير مفهوم الدين بنفس الأسلوب التاريخي .. فانقسم به المسلمون لأكثر من سبعين فرقة وجماعة .. فكيف تم تزوير مفهوم الدين ؟؟؟ .

ولكي نحدد كيفية تزوير مفهوم الدين لابد وأن نحدد المفهوم الصحيح للدين من واقع توضيح الله له في الكتاب الوحيد الذي فشل البشر في تزوير حروفه وكلماته وآياته لحفظ الله له بقوله تعالى .. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }الحجر9 ، فمعنى الدين اللغوي .. أنه الديون الواجبة الأداء ، ومعناه العام كما يوضحها الخالق العظيم .. أنه الديون الواجبة الأداء لله من عبيده ، وهذه الديون ببساطة هي .. أداء مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها ، فإذا كنا كبشر لا نملك إلآ النوايا في النفوس ، فالدين لابد وأن مجمل القيم والمباديء النفسية التي تكونت نتيجة معتقدات وقناعات شخصية خاصة جدا تكونت خلال تجارب رحلة نشأة الإنسان وتربيته ، وهذه القيم والمباديء الشخصية الخاصة لكل إنسان .. هي التي تتحكم في التصرفات التلقائية للإنسان في حركة حياته ، فأنت مقتنع أن المرأة مخلوق جميل يجب الرفق به ، وغيرك مقتنع أنها متعة وخلقها الله لمتعة الرجال ، وآخر مقتنع أنها نصف الحياة الأهم ، وغيره مقتنع أنها شر لابد منه ، وكل شخص يتعامل معها من منطلق معتقده وقناعاته الخاصة ، وبالتالي فمجمل قناعات ومعتقدات أي شخص والتي تتحكم في سلوكياته في حركة حياته هي دينه ، فإذا توافق دينه مع يأمر به الله ، فهو على دين الله أيا كان مسمى دينه وبيئته ووطنه ، وهو في عرف الله  "مسلم" أسلم نفسه وقناعاته لله ، ومن انحرف في شيء فهو منحرف عن دين الله بقدر شذوذه عما أمر الله به .

ولعلم الله الخالق للبشر والكون أن الإنسان معرض دوما للانحراف والسقوط في الخطايا لوجود أعداء متربصين به يدفعونه للخطأ والانحراف ممثلة في (شهوات نفسه – وسوسة شياطين – فتن الدنيا) ، شرع لهم سبحانه بعض الفروض والمناسك التي تذكرهم دوما بحقيقة وأسباب خلقهم وقدورهم حتى لا يبغوا فيطلقوا العنان لرغباتهم وشهواتهم أو يفتنهم إبليس أو فتن الدنيا ، فتفسد عليهم حياتهم ، ففرض الصلاة والزكاة والصيام وذكر الله والحج في الإسلام ، وكذلك فرض مختلف المناسك في مختلف الأديان للحفاظ على استقامة الإنسان في حركة حياته ، ولذلك فهذه المناسك في أي دين أو ملة ليست هي الدين مطلقا ، ولكنها حوافظ استقامة الدين ، ولذلك يقول سبحانه وتعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ }البينة5 ، فأداء الصلاة والزكاة كما هو واضح هنا ليست من الدين مطلقا ، ولكنها فروض تهذب وتربي النفوس وتضمن وتحفظ إستقامتها وإخلاصها لله في أداء المهمة التي خلقنا الله من أجلها .

وبالتالي فالدين يختلف تماما عن الفروض والمناسك ، ولذلك فأداءها .. ليست دليلا على أن الشخص الملتزم بها صاحب دين سليم أو صحيح ، ولكن الدليل الوحيد على استقامة دينك هو العمل الصالح الذي ينفع الناس ، وهو ما يقوله تعالى .. {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ }البقرة177 ، وحتى لا يقع البشر في هذا التزوير والضلال بادعاء أن المناسك والفروض هي العبادات أو الدين ، وضح سبحانه وتعالى سبب فرض كل منسك على حدى ، فقرر سبحانه أنه قد فرض الصلاة لأنها تنهي النفس البشرية عن الفحشاء والمنكر ، بل وذكر الله أكبر في نهيه علن الفحشاء والمنكر .. فقال تعالى .. { .. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ }العنكبوت45 ، وجعل الصيام دافعا لخشوع النفس وخوفها من الله (دافعا للتقوى) فقال تعالى .. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }البقرة183 ، وجعل الزكاة والصدقات تزكية وتطهير للنفوس فقال سبحانه وتعالى .. {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا .. }التوبة103، وجعل الحج إعادة إعمار للنفس وتزود من تقوى الله وتذكيرها بعبوديتها لله وخضوعها الكامل لله فقال .. {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ }البقرة197 ، وبالتالي .. فالفروض والمناسك ليست مطلقا هي العبادات "مهمة العبودية) ، والالتزام بأدائها ليس دليلا على صحة الدين ، بل على العكس تماما فتشديد الإنسان في أداء المناسك والفروض بإخلاص النوايا يؤكد أنه يعاني من صراع نفسي داخلي شديد ضد شهوات نفسه وفتن الدنيا ووسوسة الشياطين .

ولا شك أن شياطين الإنس والجن قد تدخلوا منذ بدايات "بني آدم" على الأرض ، فزوروا المفاهيم الأساسية ، وعلى رأسها مفهوم الدين ، وحصروه في مظاهر (حركات وكلمات) ، ثم جعلوا له رجال ، وادعوا أنهم خاصة الله ووكلاؤه على الأرض بين الناس ، فعرفت البشرية الكهانة والكهنة مبكرا ، وتابع سبحانه وتعالى تصحيح المفاهيم بمختلف الرسل والأنبياء عبر التاريخ البشري بهدف رئيسي ، وهو إلغاء الكهانة وإعادة العلاقة بين العبد وربه بلا وساطة ووسطاء ، ولكن اليهود والنصارى سقطوا في الكهانة سريعا ، فظهر لديهم ألقاب الكاهن والقسيس والحاخام والحبر والقديس وغيرها .. ، خاصة وأنهم كانوا قد ورثوا بعضا من بقايا علاقات تاريخية بين الإنس والجن ، والتي كانت تظهر للناس بعض الخوارق المعجزة لعقولهم ، فتفشت ظاهرة الكهانة والكهنة بينهم وأصبح لها قدورا عظيمة حتى اعتبرت بعض الفئات والجماعات منهم أن رجل الدين هو رسول ووكيل لله على الأرض يمنح التبريكات ويغفر الذنوب ويمنح صكوك الغفران ومساحات في الجنة ، وهو ما زال موجودا بيننا إلى اليوم ، ويستغله الكهنة للسيطرة على الرعايا والأتباع في كل دين وملة ، وهو ما فتح أبواب الانحرافات على مصراعيها بين الطوائف والتابعين لها .

حتى جاء الإسلام فحرص على جعل العلاقة بين العبد وربه بلا وساطة وهو ما ذكره سبحانه بقوله .. {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }البقرة186 ، وهنا يحدد سبحانه أن الله يجيب دعاء من دعاه مهما كان (مؤمنا كافرا عاصيا أو مذنبا أو تقيا) ، فسقطت الكهانة واختفت قرونا طويلة ، ولم نسمع عن لفظ "رجال الدين" إلا بعد أن تم تزوير المفاهيم الرئيسية ، فانقسم المسلمون إلى عديد من الفرق والجماعات التي لها قادة وزعماء بمسميات مختلفة (شيخ – أمير – ولي – مرشد – آية الله – … ) واتخذ المسلمون من هؤلاء القادة والمحركين للفرق والجماعات وسطاء بينهم وبين الله ، لتظهر وتنتشر الكهانة وكهنة الدين بين المسلمين بصور أشد من اليهودية والمسيحية ، فعرف المسلمون ألقاب (الشيخ والإمام والمرشد والأمير والحبر وآية الله .. ) وغيرها الكثير تبعا للظروف والزمان والمكان .

ولم يكتف "رجال الدين" أو كهنة المسلمين بهذا ، بل أغلقوا أبواب الفهم والتعقل والتدبر في القرآن ، واعتبروا كل من يحاول الفهم والنقاش "مجادل" يحاول هدم الدين بل وتشددوا حتى وصمه البعض بالشرك والكفر وأحلوا دمه ، تماما مثلما سمى المسيحيون من يحاول الفهم والتعقل في الإنجيل بـ "المجدف" وشلحوه ، وصدق في المسلمين نبوءة رسول الله .. "لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر ، وذراعا بذراع حتى إذا دخلوا جحر ضب لدخلتم خلفهم" ، ولماذا لا نتشابه حتى في خطايانا ، ونحن جميعا بشر من نفس واحدة ، ولنا جميعا نوازع فطرية واحدة ، وبنجاح إغلاق أبواب الفهم والتدبر للقرآن عند علماء ماتوا منذ أكثر من عشرة قرون ، اختفت علوم القرآن تماما ، ولم يبق منها إلا أصغر علم صاحب أقل عدد من الآيات وهو ما أسموه بالعلم الشرعي "المقدس" ، والمختص بالفروض والحدود والمعاملات أو المسمى بالفقه وآياته لا تزيد عن (200) مئتي آية ، وأهمل المسلمون وتجاهلوا أكثر من ثلاثة آلاف آية تمثل أكثر من 45% من القرآن وهي آيات الخلق والعلوم البحتة ، والتي أنزلها الله لتضع الحدود الكاملة للعلوم البحتة حتى لا تتشتت عقول البشر بخيالاتهم وعقولهم المحدودة ، فاكتفى المسلمون بالصراخ كلما اكتشف العلماء شيئا بقولهم أن لديهم قرآنا يقول هذا منذ أربعة عشرة قرنا من الزمان ، لدرجة أن بلدانا ملحدة ومسيحية ويهودية أنشأت معاهد لدراسة علوم القرآن ، والمسلمون ما زالوا في غيبوبة الاختلافات والانقسام حول الفقه كنتيجة مباشرة لتزوير مفاهيم دينهم وقرآنهم الذين ورثوه ولا يقدرونه حق قدره .

وهنا .. نتوقف عند دعوة رئيس مصر "عبد الفتاح السيسي" المتكررة لتصحيح الخطاب الديني ، ونتساءل هل يعرف الرئيس ومن حوله ما هو الخطأ الواجب تصحيحه في الخطاب الديني ، أم أن الجميع يجهل معنى الدين الحقيقي ، بالتالي معنى العبادة الحقيقية ، وبالتالي .. يجهلون كيف تم تزويرها ، وكيف أدى هذا التزوير لتقسيم المسلمين لأكثر من سبعين فرقة يقتل بعضها بعضا ، وبالتالي .. هل كل ما يريده الرئيس أو النظام الحاكم ، أن يتم فقط قطع الطريق على انتشار الفكر المتطرف فقط ، وبالتالي لا يعنيهم فساد المفاهيم الأساسية ، والتي بني على تزويرها كل الانحرافات والتطرف وإفساد قيم وأخلاقيات المجتمع بل البشرية بأكملها ، وهنا يجب أن نذكرهم .. أن المجتمعات لا تتغير إلا بدوافع حقيقية وواضحة ولا تترك أساطير ضلالها المقدس إلا لحقائق يثبت صدقها ، وكذلك هي لن تتغير في يوم وليلة ولكنها سوف تأخذ وقتا طويلا حتى تصحح المفاهيم المزورة ، ولكن بشرط أن يكون التصحيح حقيقيا وليس فهما مغلوطا ومراوغا لتفادي النتائج السلبية كالتطرف والانحراف ؟؟؟ .

وبعد استعراض كيف تم تزوير مفاهيم الدين والعبادة .. لابد وأن نتوقف عند مفاهيم الحكمة من أهم الصفات الفطرية للنفس مثل صفة الإبداع "الإتيان بالجديد" ، لننتقل منها إلى "سباعية" نوازع الضعف الفطرية الأساسية للنفس البشرية .. ثم نصحح معا مفاهيم  الأمانة .. والأرزاق والمقدور .. والمسير والمخير .. قبل أن نجيب على السؤال الأبرز وهو .. "إلى أين بعد الموت ؟؟" .. لنصحح مفاهيم حركة حياة النفس أثناء التواجد في الدنيا وما قبلها وما بعدها .. وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *