صراعات العالم .. دينية أم سياسية (2) .. بقلم : جمال عمر


توقفنا سابقا عند تصحيح مفاهيم الدين والسياسة ، وتذكرنا أن هناك تعمد لتزوير مفهوم الدين وحصره في مناسك وشعائر ، بهدف التخلص من أي قيود إنسانية أو أخلاقية تمنع الاعتداء والبغي والتسلط والسيطرة من الأقوى على الأضعف ، وتعرقل المؤامرات والخداع والمكر من البعض على البعض أو الكل ، وباختفاء تأثير الدين كمفهوم شامل لاستقامة أساليب التعامل البشري ، أصبحت الساحة خالية لافتكاسات واختلاقات وابتداعات شياطين الإنس من علوم سياسية واجتماعية واقتصادية تحافظ على مصالح الأقوى والأخبث على حساب الأضعف والأنقى ، فاختلطت المفاهيم وتم تزويرها كاملة وظهرت شعارات بمسميات براقة جديدة تخطف العقول الجاهلة وتخدع القلوب الضعيفة ، حتى انتشرت مؤخرا شعارات الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية ، وتحت شعاراتها تم تدمير دول وأمم وتشريد شعوب وتخريب حضارات وإفساد نفوس وعقول وقلوب مليارات البشر .

ولكن .. تحت السطح وفي الاجتماعات الخاصة جدا في أروقة التنظيمات التي تحكم العالم (كما خططت) ، تختلف الصورة تماما ، ولا تظهر منها إلا بعض علامات فجة تنبه العقول لوجود ما هو أكبر وأخطر من المعلن ، مثل تقبيل بابا الفاتيكان ليد كبير عائلة روتشيلد اليهودية ، ثم سجوده لتقبيل قدم رئيس جنوب السودان المجهول الدين والهوية ، ولا عجب بالطبع لو علمت أن هناك حكومة للعالم "خفية" أصبحت اليوم بعد تأكدها من قوتها وسيطرتها على مقاليد العالم ، أقل حرصا في إخفاء تحركاتها ومراسمها ، بل إنها في السنوات الأخيرة قد أصبحت أكثر جرأة للإعلان عن نواياها ومخططاتها علانية ، فكما يقول بعض رجالها مثل هنري كيسنجر .. "لابد من تصفية كل الكفرة المسلمين والملحدين والأرثوذكس حتى لا يبقى على الأرض سوى المليار الذهبي" ، ويقول أيضا " قد نجحنا في دفع العرب والمسلمين لتصفية أنفسهم بأيديهم ، وصنعنا لهم إسلاما يناسبنا ، وتبقى المرحلة الأخيرة لتصفية باقي العالم والتي خططنا لها جيدا ولن نسمح لأحد أن يعرقلها أو يقف في طريقها" .

وفكرة ومخطط "المليار الذهبي" ليست بالجديدة ، بل هي فكرة إبليس "لعنه الله" ، وذلك منذ قسمه لرب العزة بقوله .. فبعزتك لأغوينهم أجمعين" ، وبالتالي فأكبر نجاح له أن يؤلب ويقلب كل البشر على بعضهم البعض ، فيفسدون في الأرض ويقتل بعضهم بعضا ، ويتحقق فيهم النبوءة القديمة التي ردت الملائكة بها على ربهم قبل خلق آدم كخليفة لله على الأرض والمذكورة في القرآن العظيم بقوله تعالى .. {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }البقرة30 ، وكانت قمة نجاح إبليس في غواية البشر ، أنه أقنعهم بأن ما سطره القرآن ليس إلا أساطير للتسلية وسردها في المحافل الدينية في إطار المناسك والشعائر ، فنسيناها وتناسينا أنها الحقيقة ، وكفى إبليس أنه استطاع أن يقنع بعض البشر بفكرة تصفية ستة مليارات من البشر يمثلون أكثر من 85% من البشر ، وهذا كفيل بتدمير كل أشكال الحياة على الأرض بل وتدمير الأرض نفسها ، ويصبح الخاسر الوحيد هو الإنسان الأحمق .

واستطاع إبليس أن يبث العداء بين البشر منذ بدء الخليقة ، خاصة عندما استسلم الإنسان لوساوسه الشيطانية معتقدا أنه بعدم وجودها وأنه صاحب الفكر والعقل ولا سيطرة ولا تأثير للشياطين عليه ، حتى أن الغالبية العظمى من البشر تؤمن أنه لا وجود للشياطين وكلها مجرد أساطير بشرية ، ولا وجود للدين بمعناه الشامل ، لتبقى المصالح والمكاسب والقوة والسيطرة هي محور الفكر الإنساني ، ويصبح البغي والعدوان قدرة وفخرا ، والقيم الإنسانية ضعفا وتخاذلا وخيبة ولا قيمة لها ، وحقوق الإنسان شعارا مطاطيا نفرضه فقط للمجرمين والسفاحين والإرهابيين ، ولا حقوق للمسالمين والمستضعفين والضعفاء ، فوصلنا لمراحل احتراف تشويه القيم ، قتبدلت الدوافع النفسية للبشر حتى في أساليب حياتهم اليومية ، فرأينا الصغير يسخر من الكبير ويسفهه وربما يقتله ليتخلص من صداع قيمه ، والبنت تسخر وتسفه وتمكر بأمها ، والأم تعمل خادمة لدى ابنها بالأجر لتجد ما يكفي لعيشها ، والرجل يقتل أبيه وأمه ، والأنثى سلعة عاهرة النفس تعرض جسدها عارية أو شبه عارية في بنطلونات فيزون في شوارع المسلمين بدعوى التطور والموضة بلا حياء أو شرف ، ولا عيب أن تستغل وتباع وتشترى بمسميات براقة كالتقدم والتطور والفن والإبداع والجمال ، والأمومة شعار قديم وبالي ، والأطفال تلقى في الحضانات وهي بعمر شهور من أجل المال والعمل والذات والكماليات والرفاهية والتطور ، فتصبح هذه الأطفال نواة نشطة لكل أنواع الإجرام كبارا ، فالأمومة والأسرة وبالتالي المجتمع فقد معناه وتهدمت كل قيمه ومبادئه بشعارات الديموقراطية والحرية والحب والعشق والمكاسب وتحقيق الذات ، وساعد في سرعة تفاقم الكارثة تعمد سوء استخدام تكنولوجيات العصر من وسائل "الإفساد" والمسماة الإعلام والتواطيء "التواصل" الاجتماعي ، وهو ذلك العالم الافتراضي الخيالي الذي سقطت فيه معظم شباب وبنات ونساء العالم خاصة العربي .

وعلى صعيد العلاقات الدولية أصبحت الصورة أكثر خطورة وقتامة ، فلا قيم ولا مباديء ولكن مجرد شعارات تستخدم طبقا للحاجة والمصالح بمختلف ألوان المكاييل والمعايير ، فلا شيء مطلق ولا شيء حقيقي ، بل فقط ما يفرضه منطق القوة والقدرات ، وتبعا للدوافع الخفية تحت سطح الشعارات المزيفة والخداع ، وتصبح الحقائق وتطوراتها على أرض الواقع مفزعة عندما تسوء الدوافع ، خاصة لو كانت هذه الدوافع تخضع لمؤامرات الخداع الاستراتيجي المتصاعدة من الدول العظمى لضمان نجاح مخططاتها ، فتارة نسمع أن الدوافع هو الثروات الاقتصادية ، وتارة حماية المصالح والكيانات ، ولكن يسيطر في الغرب وأمريكا وإسرائيل فكرة ومخططات تطهير أرض الميعاد لنزول المسيح من الكفرة المسلمين والأرثوذكس والملاحدة ، ومعظم البشر يؤمنون بما يسمونه معركة النهاية أو "هرمجدون الكبرى" وهي الأسطورة الأشهر لدى كل المتشددين من الأديان السماوية الثلاثة بصورها المتباينة لدى كل منهم ، وأخيرا .. يسطع في سماء الصراعات أحدث الضلالات التاريخية البراقة والتي تخفي وتطمس تحتها أهداف حروب الاحتلال والسيطرة ، ألا وهي شعارات نشر الديموقراطية والحرية والعدالة بين الشعوب ، والتي تجلت نتائجها المبهرة في قمة تحقيق العدالة والحرية والديموقراطية في هدم أمم وتشريد شعوب مثل أفغانستان والعراق وسوريا واليمن والسودان وتونس والصومال ، لتتضح الحقائق فاضحة لكل المؤامرات والأكاذيب .

وكنتيجة مباشرة لتضارب المصالح والمؤامرات في العالم ، تزايدت في العقود الأخيرة حالات تفجر الصراعات الدموية بين الدول والأعراق والشعوب ، لا سيما في قلب العالم في الشرق الأوسط ، والذي تجزم تطورات الصراع فيه ، أن ما يحدث قد بدأ وسوف يستمر طويلا بأيدي القوى العظمى صاحبة المصلحة الوحيدة من دمار هذه الدول وتقسيمها وتشريد شعوبها لضمان إحكام السيطرة على ثرواتها ومقدراتها ، خاصة وأن أطراف الصراع دوما بلا هوية أو انتماء أو هدف محدد أو ثابت ، ويتحركون تبعا لتوجيهات وأوامر من يصنع السلاح ويقدمه للجميع ويدير الحروب كمباراة لصالحه ، ويتناسى الضحايا الغبية أو يتغافلون أن الصراعات هي أغبى صور التعامل بين البشر وأنها السبب الوحيد لفناءهم جميعا دون كاسب واحد ، فالكل خاسر في أي صراع بشري .. وهو ما سوف نستعرضه لاحقا …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *