تعودت دوما عند الحديث عن معطيات ومعضلات وصراعات الحياة أن يكون مراجعي لا جدال في مطلق صحتها واستقامتها في تقدير الحدود والقيم الإنسانية ، وحقا لم أجد مثل القرآن العظيم الذي لم يختلف عليه حتى الكافرون به عبر تاريخه منذ اربعة عشرة قرنا من الزمان ، ولست في مجال إثبات صحته ، ولكنه يقينا أصح دستور متكامل للحياة ، فهو أصدق القول {.. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً }النساء122 ، وهو حديث الله المتصل إلى يوم القيامة ، ومن أصدق من الله حديثا .. {اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً }النساء87 ، وهو القرآن العظيم الذي قال عنه كل عظماء ومفكري وفلاسفة البشرية في القرون العشرة الأخيرة أنه أفضل دستور متكامل للحياة في تاريخ البشر ، وهي الحقيقة التي تثبتها كلماته وحروفه وأوامره ونواهيه دون الدخول في جدال حول الإيمان أو الكفر به ، ولذلك فليسامحني من يرى غير ما أرى من وجهة نظر، ويكفيني شرف المحاولة لتدقيق مصداقية كلماتي التي أتمنى أن تكون مساهمة في بناء الخير لكل البشر .
ولذلك .. وقبل استعراض الموضوع والحكم فيه بأي صورة .. لابد من توضيح دقة مفاهيم الألفاظ التي نستخدمها ومدى صحة فهمنا لها ، فنحن نفهم معنى الدين على أنه الأقوال والأفعال التي تتصل بدور العبادة والكتب المقدسة وإقامة المناسك والشعائر ، أو باختصار ما يتعلق بالفروض والمناسك والحدود والمعاملات المذكورة في الكتب السماوية ، وهو فهم مدلس مليء بالبهتان والتضليل ، وليس هذا غريبا ولا جديدا ، فالبشر جميعا يسقطون في تزوير المفاهيم بسوء استخدام "هبة الإبداع الفطرية" التي منحها الله للبشر ليعمروا بها الأرض .
وقد تم تزوير المعنى الحقيقي للدين مرارا عبر تاريخ الإنسان بتعمد وعن قصد ، ولذلك توالى نزول التوراة والإنجيل والقرآن ليصلحوا مفهوم الدين في النفوس والعقول ، حتى أن القرآن أكد أن الدين لا علاقة له بالمناسك والفروض بقول الله تعالى .. {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ }البينة5 ، فبعد إخلاص الدين لله لابد وأن يلتزموا بالفروض والمناسك ، وقد ذكر سبحانه وتعالى "إخلاص الدين" في القرآن العظيم في سبعة مواضع من سور مختلفة ، والعجيب أن الله قرن "إخلاص الدين" في ستة مواضع منها بالدعاء بقوله تعالى .. "وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ" في سورة الأعراف ، أو قوله تعالى .. "دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ" في سور يونس ولقمان والعنكبوت ـ أو قوله تعالى .. "فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ" ، وقوله تعالى .. "فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ" في سورة غافر ، فسبحانه وتعالى يأمرك عند الشدة وفي الأزمات أن تدعوه ، ولكن عندما تدعوه فلابد أن تخلص "الدين" ، فإخلاص الدين يتضح معناه هنا بأنه إخلاص تسليم النوايا والدوافع لله ، فلا يكن في نفس الإنسان تفضيل لشهوة أو رغبة سوى إرضاء الله والتسليم له فيما يشاء ويرضى .
وبذلك يتضح معنى الدين الحقيقي .. بأنه قناعات ومعتقدات الإنسان النفسية الخاصة التي يتصرف تبعا لها تلقائيا في حركة حياته ، فدينك هو قناعاتك النفسية التي تتحكم في فهمك ونواياك وبالتالي في تصرفاتك في حركة حياتك ، فأنت لن تكذب لو كنت موقنا أن الكذب خيبة وجبن وحقارة ، أو أنه سيفتح عليك سخط الله ولعنته ولابد أن يفضح كذبك ، ولن تمكر ببشر لو كنت موقنا أن المكر لابد وأن يحيق بصاحبه ، ولن تخون أحدا لو كنت مؤمنا أن الخيانة نذالة وحقارة وهي ديون مردودة لك يوما ما ، فخلاصة الفهم أن الدين هو قناعات نفسية خاصة لكل شخص تتحكم في فهمه ونواياه وأقواله وأفعاله ، ولو توافقت قناعاتك مع مراد الله وأوامره ونواهيه ، فأنت على دين الله مهما كان مسمى دينك وانتماءك وبيئتك وظروف حياتك ، ولذلك عندما تسوء المفاهيم والقناعات في نفوس البشر ، فلابد وأن تسوء النوايا والأفعال وتظهر العداوة والبغضاء والتربص بين البشر ، وتظهر معالم الاختلاف والصراعات بينهم بناء على دوافع نفسية مبنية على قناعات فاسدة أو مزورة .
أما عن مفهوم السياسة فهو مفهوم قديم لا جديد فيه وإن اختلفت حروفه ومنطوقه من عصر لآخر ، ولكننا سمعناها على لسان معاوية بن أبي سفيان وهو يقول .. " لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت ، إن شدوها أرخيتها ، وإن أرخوها شددتها" ، حتى قيل أن معاوية كان خير من يسوس الناس ، أي يحسن التعامل معهم ، بمعنى المرونة في التعامل وقبول الآخر ، وتختلف مساحة المرونة من شخص لآخر تبعا لــ .. (دينه) ، والذي هو مفاهيمه وقناعاته النفسية ، فإن كان دينه (مفاهيمه وقناعاته) صحيحة أمينة قويمة ، أصبحت دوافعه إنسانية سامية خيرة ، فتجيء سياسته عادلة قوية كريمة ، وإن فسد دينه (قناعاته ومفاهيمه) أصبحت دوافعه شهوانية أنانية متتعصبة متدنية شريرة ، وبالتالي كانت سياسته ملتوية خبيثة ظالمة ، وبالتالي فمن المنطق أن يكون فساد الدين هو الحاكم لفساد الدوافع والتي هي الأسباب الأساسية لفشل التعامل "السياسات" والتي بالتالي تفجر الصراعات بين البشر .
ولا جدال إن دوافع الصراعات في العالم تختلط كثيرا على عامة الناس ، وذلك لأن البشر تعمدوا طمس المفاهيم الصحيحة لمعان الألفاظ ، مع تعمد حصر معنى الدين في مظاهر التقرب إلى الله ، حتى يتحرروا من الشعور بالذنب ويطلقوا العنان لشرورهم ضد بعضهم البعض دون إحساس بالخطيئة في حقوق الله إذا أخطأوا في حق بعضهم البعض ، حتى أن البعض بجهله مثلا يعتبر مخالفة أي قانون للدولة مثل "المرور أو قانون الأحوال الشخصية أو الإسكان أو الضرائب" هو مجرد تصرف ماهر ذكي ، ولا علاقة له بربه ولا ذنب فيه ، ولا يدري أنه بمخالفاته يرتكب الكبائر يوميا في حق الله سبحانه وتعالى ، لأنه ربما لا يعلم أن الإنسان أخضعه ربه لثلاثة قيود هي "الحدود" و "العرف" و "المعروف" .
أما "الحدود" فهي قيود التصرفات التي فرض الله لها عقوبات في كتبه المقدسة وتسمى مخالفتها "ذنوبا"، وأما "العرف" فهو ما تعارف عليه الناس فيما بينهم ويلتزمون به ويتوارثون العمل به ولكنه غير مسجل ولا مكتوب ويختلف من زمن لزمن ومن مجتمع لآخر بل ومن أسرة لأخرى أحيانا ، أما "المعروف" فهو كل قانون تعارف عليه المجتمع وسجلوه واتفقواعلى الخضوع له لتنظيم حركة حياتهم ، وهذه القوانين هي في الحقيقة قيود سامية رفعها الله لتكون أهم من الحدود التي نقسها ، فلا يجوز مخالفتها ، ومخالفتها تعد من الكبائر لأنها تفسد حركة الحياة ، ولذلك جعل الله خيرية المسلمين فقط في تقديم أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر على الإيمان بالله .. وهو قوله تعالى .. {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ .. }آل عمران110 ، بل من العجيب أن أشد عقوبة فرضها الله لفئة من البشر لم تكن في الكفر ولا الشرك ولا القتل ولا الزنا ولا السرقة ، ولكنها فيمن يفسدون في الأرض ، والإفساد في الأرض يبدأ بإالقاء ورقة في الطريق أو كسر إشارة مرور أو حتى تخطي دورك في طابور أي مصلحة أو خطف فرصة أو اللجوء لواسطة أو رشوة أو التكاسل في العمل والهروب منه، بل وجعل الله الإفساد في الأرض بمثابة إعلان الحرب على الله ورسوله بقوله تعالى .. {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }المائدة33 ، ولنا أن نتخيل ماذا سيكون حال مجتمع تربى أفراده على اليقين بأن تصرفا بسيطا مثل إلقاء ورقة في الطريق أو كسر إشارة مرور ستكون سببا في إفساد حركة حياة غيره ، وبالتالي ستجر عليه سخط الله وسينتقم الله منك بها عاجلا أو آجلا ، وهذا هو الفارق بيم سلوكياتنا التي نصرخ منها وسلوكيات شعوب أخرى في بلادهم ، والتي قال فيها الكثيرون ، " وجدنا عندهم مسلمين بلا إسلام ، ووجدت عندنا إسلاما بلا مسلمين " ، وبالتالي فمفاهيم الأشخاص هي التي يتشكل منها مفاهيم المجتمع ، وقادة وزعماء الأمم هم بشر وأشخاص تربوا في مجتمعات شكلت لهم دينهم (قناعاتهم ومعتقداتهم) التي تتحكم في دوافعهم فيتصرفون تبعا لها كسياسات داخلية أو خارجية "دولية" ، وهو ما نراه واضحا وننتقده ونعترض عليه ونعاني فيه من تضارب واختلاف وفساد سياسات الدول الداخلية والخارجية .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
