توقفنا من قبل مع القرآن العظيم عند اكتشاف أن الموت ليس نهاية الرحلة لابن آدم على الأرض ، كما خدعنا المفسرون الأقدمون وصدقناهم ، بل إن حقيقة موت الإنسان لا تعني أنه قد انتهت علاقته بالحياة على الأرض ، بل هي حياة متكررة ، ولكنها ليست تناسخ ولا انتقال أرواح "كما يعتقد بعض البشر" ، بل الموضوع أكثر رقيا وعمقا وحيادية ، فالحياة "النشأة " دوما تكون في كل مرة بمعطيات مختلفة ودقيقة التدرج والسببية مع سابقتها، فإجادة الإنسان في حياته تعني أن النشأة التالية سوف تكون أكثر يسرا عليه وأفضل حالا ، وتمثل كل حياة يحياها الإنسان "النفس" صفحة من كتاب حسابه يوم القيامة .
فالإنسان الذي جاء الدنيا في رحلة محدودة بزمن لها بداية بالميلاد ونهاية بالوفاة ، لا تنتهي علاقته بالدنيا على بوفاته بعد سنوات أو ربما ساعات عمره ، بل هي رحلة مكررة حيث يتم اختباره في كل رحلة من خلال بعض المعطيات من شكل ومواصفات وقدرات وبيئة وظروف .. حتى أجل مسمى ، ثم يغادر لينتقل إلى رحلة أخرى مماثلة ولكن بمعطيات مختلفة ، وقد شاء الله ألا نعلم عن الرحلة القادمة شيئا ، فيقول سبحانه في وصف الموت وما بعده في سورة الواقعة .. نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ{60} عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ{61} وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ{62} .. ، ونتوقف هنا طويلا حيث يعد سبحانه بتكرار إنشاء النفس في نشأة {أخرى} جديدة بعد الموت ، ويؤكد سبحانه بأننا نعلم كيف هي النشأة ، لو تذكرنا الحمل والولادة للإنسان ، وكذلك وصف الله لها في سورة المؤمنون بقوله تعالى .. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ{14} ، فابن آدم ليس كما أفهمونا زورا وضلالا أنه سوف يظل معلقا من لحظة موته إلى يوم القيامة في انتظار قيام الساعة ، وأن الله خلقه ليحيا مرة واحدة ثم يموت بلا رجعة ويظل قابعا ينعم أو يعذب في قبره ، بل الحقيقة أنها "نشآت متعددة" يكررها الله لابن آدم في الحياة الدنيا ، فتمثل كل حياة يحياها صفحة في كتاب حسابه يوم القيامة ، ويؤكد سبحانه تكرار النشأة فيقول .. {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى }النجم47 ، ثم يشير سبحانه إلى النشأ’ الأخيرة في يوم القيامة بقوله تعالى .. {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20 .
وفي رمضان .. اكتشفت الحكمة من نهي الله لنا أن نعير أو نسخر ممن يخالفنا في أي شيء خاصة في الفكر أو الدين والاعتقاد أوالعادات أوالتقاليد ، لأنها معطيات لا خيار له فيها ، بل رزقه الله بها ليختبره فيها ، والسخرية والمعايرة سوف تكلف فاعلها أن يكتب عليه ربه أن يذوق مثل ما سخر منه في نفسه ، سواء في حياته الحالية أو القادمة ، فهي ديون لابد من ردها ، ومن ظلم إنسانا لاختلافه عنه في الخلق مثل اللون أو الجنس أو الشكل فقد كتب على نفسه أن يذوق مرار ما أذاقه لغيره في حياته أو الحياة التالية ، ويؤكد رب العزة على هذا المعنى في آيات كثيرة منها قوله تعالى .. {.. لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }المائدة48، وقوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام165 ، بل إن مسألة الدين بعينها قد حكم الله فيها ، أن حساب الله عليها سوف يكون على قدر المعطيات .. {.. لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا .. }الطلاق7 ، فمن ولد مسلما فسوف يحاسب على حرف في القرآن ، ومن ولد ملحدا صابئا فحسابه على قدر ما أوتي فقط ، بل وشرح لنا كيف سيحاسب كل منهم على أساسيات ثلاثة في سورة البقرة بقوله تعالى .. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }البقرة62 ، وليس كما يدعي أصحاب كل دين أنهم فقط أصحاب الحق المطلق وهم فقط أصحاب الجنة ، وغيرهم كفارا وفي النار خالدون .
وفي رمضان .. اكتشفت أيضا كذب أسطورة عذاب القبر التي تجرعها المسلمون فقط (دون بقية البشر في العالم) لقرون طويلة ، وبالبحث لعقود طويلة ومناقشة عباقرة الأزهريين وجهابذة السلفيين ، لم أجد آية واحدة في القرآن العظيم تصرح أو تلمح لوجود عذاب في القبر ، وحتى متون وأصول وأسانيد الأحاديث وجدتها موتورة وضعيفة ، حتى آية آل فرعون التي يتخذها البعض دليلا والتي تقول {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ }غافر46 ، غفل الجهابذة أن آل فرعون هم من يعرضون على النار التي تريد أن تتعرف على من سيدخلها ، وهذا ليس عذابا لآل فرعون ، ولم يقل رب العزة أن آل فرعون هم من تعرض عليهم النار ليتعذبوا معنويا برؤيتها مرتين يوميا ، ولو كان حقا هناك عذاب للقبر فقد كان من الأولى والمنطقي أن يذكرها سبحانه وتعالى صراحة ومفصلة مثل تعدد صور ومسميات العذاب يوم القيامة في الجحيم وجهنم والنار والسعير .. الخ ، كما أنه سبحانه علمنا ألا ثواب ولا عقاب بدون حساب ، ولا حساب إلا يوم الحساب في الآخرة ، لنكتشف أن أكذوبة عذاب القبر هي أحد أساطير البشر والتي يتخذونها وسيلة للترهيب وتثبيت سيطرة وقيمة زعماء الفرق والجماعات من المشايخ والأمراء والأولياء ، وفي النهاية هو أحد المفاهيم الكثيرة المزورة التي غزت الإسلام عبر عصور التجهيل والضلال الشيعي السنى الصوفي المتعدد الأقطاب والضلالات ، ومن الصعب إقناع من عاشوا عمرهم كله يستعيذون من عذاب القبر أنهم عاشوا ضلالة مقدسة ولابد أن يتنازلوا عنها .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
