البشر والضلالات المقدسة (5) …. ” كُلٌ مُسَخَرٌ .. لما خُلِقَ الله له “


كثيرا ما تأكل الغيرة قلوب الكثيرين منا خاصة بين صاحبات نون النسوة ، عندما ترى غيرها أو صديقتها أو حتى أختها ، في وضع أو وظيفة أفضل أو حتى تزوجت من رجل أفضل ظاهريا من زوجها ، تلك حركات نفسية لا يمكن نكرانها ولا التغاضي عنها لأنها أهم أسباب الحسد والحقد الذي يأكل القلوب ويخرب النفوس ويفسد طعم الحياة لدى الحاسد أكثر من المحسود ، لأن المحسود قد يصيبه الضرر مرة أو مرات ، ولكن مشكلة الحاسد أنه يحيا بحسرته وكمده في قلبه ، فضلا عن عقاب الله له في الدنيا بأن يذيقه حياة ضنكا ضيقة جراء سواد قلبه وجهله ، وله في الآخرة عقاب أليم إن لم يسامحه من حسده ويغفر له ربه .

 

والأذكياء وأصحاب الحكمة والعلم في غنى عن كل هذا ، لأنهم يعلمون جيدا أن معطيات الدنيا للبشر أيا كانت من " جمال ومال وسلطة وشهرة وحسب ونسب وصحة وقوة وأولاد وعائلة .. وغيرها " ليست دليلا على التفضيل ولا الحب ، وليست مكافأة ولا ثوابا ، وكذلك مصائب الدنيا في أي من معطيات الله ليست دليلا على سخط الله أو غضبه أو كراهيته لمن يصيبه حتى قال سبحانه .. {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام165 ، فكل ما يصيب البشر من سرور أو حزن أو مصائب مكتوبة من قبل حدوثها كما يقول سبحانه .. {.. ما أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ، لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} الحديد 22 ، 23 ، فهي أحداث مقدرة ومكتوبة على كل البشر كابتلاء واختبار من الله تعالى ليعلم من يصبر فيستحق جنته ومن هو مدعي الإيمان ولا يستحقها ، وهو ما وضحه بقوله .. {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ }البقرة214، ثم يؤكد الله ضرورة الصبر على مصائب الدنيا بقوله تعالى .. {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ }البقرة 155 ، 156 ، فكل الأمور مقدرة ومكتوبة على كل منا من قبل ولادته ، وما معطيات الحياة لنا وأحداثها إلا أسئلة متتالية في اختبار الدنيا التي كتب علينا أن نحياها لأجل محدد لا نعلمه ، ومن لحظة لم يكن لها فيها خيار إلى لحظة لا نعلم عنها شيئا .

ربما يكون هذا معروفا لكثير منا ولكن نفوسنا لم تصل لدرجة اليقين والإيمان الحقيقي به ، خاصة لو تربينا في بيئة جزوعة هلوعة ، واعتدنا نرى من تربينا على أيديهم والبشر من حولنا يبالغون في الفرح والحزن ويكسرون كل الحدود في كل مناسباتهم ، فعندها لن تتعلم نفوسنا أو نفوس الصغار معنى الصبر ولا الإحسان في التعامل مع الله ، وكيف تتعامل نفس وتراعي الله في ردود أفعالها وهي لم ترى من رباها يفعل هذا ، وأكبر الأدلة على تفشي ضعف الإيمان بيننا ما نراه في أفراحنا خاصة من البنات والنساء وبعض الشباب الذين يتجاوزون كل الحدود باسم حرية الفرح والاستمتاع به ، فهم لا يخطر ببالهم مطلقا أنهم لو بدأوا حياتهم الزوجية بما يغضب الله فسوف ينزع الله البركة والرضا من حياتهم مستقبلا ، لأنهم لم يتعلموا هذا ولم يجدوا من يعلمهم إياه ، وكذلك تراه في صراخ وعويل ونحيب النساء عند الموت ، وأيضا تراه في أي جدال أو مشاجرة في الطرقات أو حتى محال العمل والتي ربما تتحول سريعا لصراع محتدم قد ينتهي بجريمة ، أو على الأقل بكثير من سوء الأدب وبعض الملابس الممزقة ، والأبسط .. ما نراه على صفحات التواصل من تحول النقاش والاختلاف في الرأي إلى انحدار وانحطاط في الأخلاق وتراشق بالسباب والتشويه والاتهامات والألفاظ النابية والمتدنية حتى من مصادر الحياء الافتراضية "البنات والسيدات" ، وليس غريبا أن البعض منهن يعتبر ذلك نوعا من القدرات والمهارة والشطارة ، فهكذا تعلموا ممن رباهم .

بل والأخطر من هذا ما هو متوارث عبر التاريخ البشري من التقليل من شأن المرأة ، حتى أن المرأة في كل الدول "خاصة التي تدعي التقدم والمدنية" ما زالت مواطنا من الدرجة الأقل ، فهي لا ترث في معظم دول الغرب ، وعرضة للتحرش والاغتصاب بنسب تجاوزت 85% في أمريكا وبعض دول أوروبا ، وتتقاضي مرتبا أقل عن نفس الوظيفة ، بل والغالب على في هذه المجتمعات ظاهرة "الأم العزباء" ، والأخطر أن نسبة من يعرف أباه في هذه المجتمعات لا يتعدى (5%) من البشر ، وهو قمة المهانة التي تنبهوا لها منذ عقود مضت ، ولكنهم لا يملكون لها حلا في ظل إطلاقهم للحرية الجنسية المتفشية "كالحيوانات" في مجتمعاتهم ، فقرروا التآمر لنشر الحرية الجنسية تدريجيا في المجتمعات الملتزمة في الشرق خاصة "المسلمة" ، حتى تصبح الكارثة عامة على الجميع ، بداية من فن العري والموضة والملابس الضيقة ودراما وإعلانات الإثارة والانحرافات ليعتاد المشاهد على ممارسة العشق ويتعاطف مع الخيانة وأبناء والزنا ، ونشر أفكار التحرر كـ "الأم العزباء" ، بل والشذوذ كحرية فكرية وجنسية ، وقد كان أكبر المساعدين لتفشي هذه الانحرافات في بلادنا هو إهدار الرجل لحقوق واحترام الأنثى ، رغم أن الجميع يعرف مقولة رسول الله "ما أكرمهن إلا كريم ، وما أهانهن إلا لئيم" ، فوجد الخونة والمتآمرين والمتزعمين لحقوق المرأة زورا ، أبوابا يدخلون منها لتخريب القيم والأسر وأخلاقياتها باسم الحقوق والحريات .

وكارثة نفسية أخرى خطيرة ومتفشية وهي الجهل بمقادير البشر ، فسبحانه وتعالى لم يخلق بشرا عبثا ، ولا خلق شيئا بلا قيمة أو ضرورة ، ونحن جميعا نعرف ونردد مقولة "كل ميسر لما خلق له" ، ولكننا أيضا لا نؤمن بها ، ويعد هذا خللا نفسيا خطيرا وشائعا بين البشر ، ناتجا عن الجهل وانعدام الفهم لناموس الخالق في خلقه ، فيحتقر الرجل نفسه لوظيفته البسيطة ، أو يخاف الأبن أو الأبنة من التصريح بوظيفة أبيه أو أمه ، بل وربما بلده أو مسقط رأسه ، حتى لا يسخر منه أو يقلل هذ من شأنه في نظر غيره ، وتلك ثقافة بشرية منتشرة في كل مجتمعات الدنيا ، إلا ما رحم ربي مثل اليابان ، حتى أن كثير من أصحاب الحرف والمهن البسيطة يجد في نفسه الكثير من الحرج والخوف من احتقار الآخرين له ، وينسى الجميع أو ربما جهلوا ، أنه لولا أصحاب الأعمال البسيطة ما كان لأصحاب الأعمال الجليلة والكبيرة وجود ولا قيمة ، فلولا وجود ذرات التراب والمعادن ما استطعنا عمل طوبة واحدة ، وما بنينا ناطحات السحاب وما عمرنا بيوتنا ودنيانا ، بل ربما نجهل مثلا .. أن جامع القمامة لو أتقن عمله فمن المؤكد أنه يسبق رئيس الدولة أو الملك إلى الجنة ، لأنه سوف يحاسب على عدد من البيوت يجمع قمامتها ، فحسابه هين وسهل ، وثوابه عند الله أكبر وأسرع وأعظم من رئيس الدولة الذي سوف يحاسب على كل تحتاجه رعيته ، فلم يهب الله الملك لبشر مطلقا تشريفا له لأنه يستحق التكريم ، ولكن وهبه الملك لأنه قد منحه قدرات تتناسب مع مهمته التي كتبها الله عليه ، وسوف يحاسبه عليها أشد الحساب ، فالله وحده هو من يحدد ويقدر معطيات البشر ومهمة كل منهم في الدنيا "لأنه المقدر لكل شيء" ، ولذلك فمن يكلفه الله عملا جليلا وخطيرا فهو يحتاج للمساعدة والدعاء وليس الحسد ، لأنه همه كبير وحسابه مهما صغر فهو عسير ، وأسعد البشر حظا في الدنيا من كان رزقه من كل شيء على قدر كفاف نفسه ، فقط .. إذا رضي وقنع به وأتقن العمل فيه وشكر ربه وحمده على معطياته ، واشقى البشر في الدنيا والآخرة من كفر نعمة الله ، وظن في نفسه أن معطيات الله له أقل مما يستحق ، فيحيا حانقا كئيبا ويموت مغضوبا عليه ، ويلقى ربه كافرا بقيوميته ونعمته كأبليس لعنه الله .

وأخيرا .. لعلنا يوما ندرك أن أفضل ما يرزق الله به بشرا في الدنيا هو الرضا والقناعة بكل ما يعطيه الله ويرزق به مهما قل أو نقص ، فحياة كل منا مجرد ورقة امتحان يجيب في كل لحظة فيها على سؤال عملي بنواياه وظنونه وأقواله وأفعاله ، وأروع ما يفعله بشر في الدنيا أن لا يغفل حمد الله في جميع الأحوال فالحمد يفتح أبواب رضا الرحمن ، ولا ننسى "شكر الله" على نعمه {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ }إبراهيم7 ، فشكر النعمة يزيدها ويحافظ عليها ويبارك فيها ، وأفضل والشكر وأصدقه ما كان بالأفعال وليس باللسان والدعاء والأقوال ، فالله يحب أن يكون شكر النعمة من جنسها ونوعها ، فالمال شكره الصدقات ، والصحة شكرها مساعدة الناس لوجه الله ، والعلم شكره نشره وتعليمه لغيرك والعمل به لمساعدة الغير ، ولذلك قال سبحانه لآل داوود .. {.. اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ }سبأ13 ، ومن لم يشكر ربه على نعمه بالعمل والصدقات وبخل بها فقد كفر بنعمة الله وقيوميته عليه والله غني عن العالمين ، حتى ولو شكر بلسانه الدهر كله ، فنحن نشكر الله لمصلحتنا ، وهو ما يقوله رب العزة .. {.. وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ }لقمان12 ، ولا يقتصر شكر النعمة على نفسك فلو رأيت غيرك يفعل الخير فقد وجب عليك شكر لله على نعمته في خلقه ، ولا ننسى أن الله طيب لا يقبل إلا كل طيب ، ولنعلم أنفسنا كلما رأينا ما يبهرنا أو يعجبنا في أيدي غيرنا أن نقول .. " اللهم بارك له فيه وارزقنا خيرا منه فأنت على كل شيء قدير " .. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *