أن ترى حدثا في أحلامك وتنساه ، ثم تجد نفسك في قلب الحدث بعدها بفترة ولا تستطيع أن تغير شيئا مما يحدث ، ولكنك موقن أن هذا الحدث قد عشته أو رأيته من قبل بكامل تفاصيله ، تلك هي ظاهرة "ديجافو" أو "رؤية المستقبل" كما يسميها علماء النفس ، فما هي حقيقتها وهل هي مجرد وهم كما يدعي البعض ، أم هي قدرة نادرة على التنبوء بتفاصيل أحداث بعينها ، أم هي حقيقة تحكمها قوانين ناموس الخالق في الكون ؟؟؟
قبل أن نستغرق في استعراضها دعونا نعرف أن "ديجافو" هي مصطلح فرنسي تعني «قد حدث من قبل» أطلقها عالم النفس الفرنسي "أميل بويرك" على ظاهرة الرؤية المسبقة في كتابه «مستقبل علم النفس» ، وعرفها بأنها شعور الفرد وهما بأنه رأى أو عاش الموقف الحالي من قبل، ويختبر خلال تلك اللحظات مشاعر تجعله يظن بأنه يعرف ما سوف يحدث ، وتؤكد الدراسات النفسية المجتمعية أن 98% من البشر قد عايش مثل هذه التجربة ولو مرة واحدة في حياته خاصة في الأحداث الهامة أو المؤثرة في مجريات حياته ، وقد توقف علماء النفس والمخ والأعصاب كثيرا عند تفسيرات بعينها لهذه الظاهرة ، فقال علماء المخ والأعصاب ، أن المخ يتكون من فصين أي جزئين ، أحد هذه الأجزاء متقدم قليلا أي بارز قليلا عن الآخر ، وعند إستقبال المخ لأي إشارة أو صورة ، يستقبلها الجزئين معا ، لكن في بعض الأحيان .. يستقبل ذلك الجزء البارز أو المتقدم قبل الأخر بثواني بسيطة جدا ، ثم ترسل للجزء الأخر الذي به يتم الإستيعاب الكامل ، لكل ما نستقبله من صور وأصوات وإشارات ضوئية وغيرها ، فعندما يستوعب المرء المكان او الصورة التي أمامه ، يشعر أنه قد رآها سابقا ، ولكن الصحيح أنه قد خزنها في الذاكرة القصيرة قبل أن يتم إستيعابها كاملا ، كل هذا يتم في ثواني معدودة ، وبمعنى أدق أن هذه الظاهرة يفسرها بعض علماء المخ والأعصاب على أنها مجرد "خداع عقلي" يحدث نتيجة تقدم من نصف المخ في إدراك تفاصيل الحدث قبل النصف الآخر.
ولكن هذا التفسير ينسفه من أساسه ، أن كثير من الأشخاص يحلمون بالحدث كاملا ، وبعضهم لا ينساه لسنوات حتى يراه يحدث أمامه في تكرار دقيق لتفاصيل الحدث ، وبالتالي فليس من المنطق أن ينشط الجزء البارز من فصي المخ خلال النوم قبل الجزء الأخر بأيام وأحيانا شهور أو حتى أيام ، ولذلك لابد من تفسير أكثر منطقية من هذا التفسير المخل بطبيعة خلق الإنسان ، وهو ما يدعونا للبحث عن إجابة بطريقة أكثر علما ورقيا من افتراضات مبنية على مجرد معلومات مجردة علن التركيب التشريحي لمخ الإنسان .
وخلال بحثي الطويل لعدة سنوات لم أجد تفسيرا بشريا يقنع عقلي المتواضع بأية تفسيرات سواء علمية أو باراسيكلوجية فيما وراء الطبيعة لقناعتي الشديدة بأننا ما زلنا مصرين على الدجل العلمي للتغطية على جهلنا الواضح بحقيقة خلق البشر وقدراتهم الحقيقية وعلاقاتهم بالكون حولهم ، وهو ما دفعني لاستعرض هذه الظاهرة في ظلال آيات القرآن ، خاصة وأن القرآن العظيم قد ثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه يصف بدقة أسس وقوانين خلق الله للبشر وتفاصيل الحياة من حولهم ، كما يقول كثير من علماء الغرب عبر تاريخ التصدي للقرآن وآياته العلمية ، ولعل كان أكثر من دفعني للبحث عن الحقائق العلمية في القرآن هو ما قاله أينشتاين وموريس بوكاي وهم من ابرز علماء العالم ولكن فيلسوف وشاعر عبقري مثل "غوتة" الألماني كان أكبر مقنع لي أن لا أبحث عن أجابتي إلا في القرآن العظيم حيث قال غوتة .. "لا يمكن أن يكون القرآن من قول البشر ، وإلا لسلمنا أن محمد الذي جاء به هو الإله نفسه ، وهو ما نفاه الرجل مرارا ، ولذلك فمحمد صادق في قوله أن هذا القرآن هو من عند الله الخالق الأعظم والأعلم بما خلق" .
وخلال سنوات طويلة من دراسة واستبيان معان آيات العلوم البحتة في القرآن وعلى رأسها آيات خلق الله للنفس البشرية وجدتني مجبرا على تغيير الغالبية العظمى من قناعاتي السابقة عن مفاهيم الدين والعلم وتفسيراتها التي ورثناها عن علمائنا الأفاضل في كتب ومجلدات التفسير الهائلة والمتباينة ، حيث اكتشفت أن معظم التفاسير جاءت قاصرة وضعيفة بل وأحيانا كثيرة قد جانبها الصواب في فهم الآيات سواء لتركيزها فقط على اتجاهات التوحيد والعقيدة أو بلاغة اللغة وجمالها وهو أسفر في النهاية عن تزوير مفاهيم أساسية عبر أجيال متعاقبة ، ورسخت في النفوس كثيرا من الأساطير التي لا تعتبر سوى ضلالات مقدسة ، قدسناها جهلا دون أن نختبر صحتها أو نفكر فيها أو نحاول نتدبرها .. فقط .. لأننا ورثناها فتمسكنا بها وهي في الحقيقة تمثل قمة الزور والبهتان .
وبداية وجدت أن القرآن قد ذكر في خلق الله للنفس البشرية عددا من الآيات يوازي ضعف آيات العلوم الشرعية "علوم الفروض والحدود والمعاملات" ، فأكثر من ثلاثمائة آية تتحدث عن طبيعة خلق النفس وتعاملاتها وقوانينها وحركاتها وأمراضها وعلاجها ، ولكن للأسف الشديد أغلق علماء المسلمين الأوائل كل أبواب الفهم أو التفسير لهذه الآيات ، واعتبروها متشابهات لا يجوز الاقتراب منها ، وصدق أكذوبتهم الخطيرة كل من جاء بعدهم عبر ألف سنة مضت وحتى اليوم ، حتى صدق فينا كمسلمين يحملون القرآن وصف الله تعالى أننا "كالحمار يحمل أسفارا" ، ولم يهمل المسلمون آيات النفس فقط ولكنهم أهملوا جميع آيات العلوم البحتة والخلق والتي تجاوز عددها أكثر من 45% من آيات القرآن ، حتى أصبح أصحاب القرآن لا يستحقونه ، لأنهم ما قدروا القرآن العظيم حق قدره ، ويكفي أن السادة العلماء حتى اليوم يخلطون بين الروح النفس وما زالوا يتخبطون في حقيقة مكونات الإنسان ، رغم أن القرآن حسم هذه المسائل منذ أكثر من أربعة عشرة قرنا من الزمان .
وبداية دعونا ببساطة نؤكد على حقيقة خلق الله للإنسان كما ذكرها في قرآنه ، فالله يخاطب الإنسان ويعامله على أنه نفس فقط ، فالنفس هي أساس الإنسان ولبه وحقيقته المجردة ، فإذا شاء الله أن تحيا هذه النفس ، فإنه سبحانه يمنح هذه النفس جسدا من مادة المكان المقرر أن تحيا عليه ، ولكي يكون هذا الجسد مستعدا لتلبية سيطرة النفس عليه فلابد وأن يكون هذا الجسد حيا ، أي فيه سر إحياء الجماد وهي "الروح" ، فلا علاقة ولا سيطرة للنفس على الروح ، فالروح هي فقط سر الإحياء الذي يحيي الجسد المادي الذي تستخدمه النفس ، فالروح هي سر الخالق الذي يحيي به كل جماد ، وهي موجودة في كل جسد حي بداية من الخلية الأحادية ومروا بالفيروسات والبكرتيا والحشرات والطيور وجميع الدواب والحيوانات الحية ، فإذا انتهى أجل أي مخلوق منها بما فيها الإنسان ، استرد الله سره "الروح" ، فيتحلل الجسد ويعود ترابا ، ويبقى أصل المخلوق مثل الإنسان وهي "نفسه" ، وهي التي يتوفاها ربها بمعنى ينقلها إلى حيث يشاء انتظارا لإعادة تنشئتها في جسد آخر كما يشاء الله ويقدر لها .
والنفوس جميعها خلقها الله من أصل واحد .. {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }الأنعام98 ، فالمستقر هو ما سوف تصل له النفوس في الآخرة والمستودعات هي التي نحيا بها وفيها مؤقتا قبل بلوغ الآخرة ، فبداية خلق النفوس كانت نفس واحدة ، وكذلك بعثها ونهاية أمرها .. {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }لقمان28 ، وقد خلق الله النفس البشرية ثم شطرها نصفين وجعل نصفها ذكر والآخر لأنثى كمتطلبات للحياة على الأرض ليظل كل نصف محتاجا للتكامل مع النصف الأخر ليسكن إليه ، ويتكاملا وينتج من تكاملهما أجيالا تالية تكمل مسيرة الاستخلاف على الأرض .. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }النساء1 ، وتلك حقيقة الخلق التي تنسف كل أساطير الخلق للنفوس وما نتداوله من خيالات وأوهام عبر التاريخ البشري .
وفي حركات النفس يؤكد الله أن النفس البشرية لا تستطيع الاستمرار في التواجد في الجسد الممنوح لها ، بل لابد أن تغادر هذا الجسد يوميا خلال حياتها ليعيد هذا الجسد صيانة ما أتلفته النفس بوجودها ، فتخرج النفس من الجسد ، ويتوفاها الله لتسبح في ملكه فترة محددة تعود بعدها للجسد الذي تستخدمه في متابعة حركة حياتها مرة ومرات متكررة حتى ينتهي الأجل المسمى المحدد بتقدير الله فتخرج النفس ولا تعود ، وفي هذا يقول الخالق الأعظم .. {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42 ، والنفس لا تموت ولكن عدم قدرتها على العودة للجسد تكون الإنسان "النفس" قد فقدت وسيلة تعاملها مع الأحياء على الأرض ، {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }العنكبوت57 ، فالنفوس لا تموت ولكن شاء الله أن تذوق كل نفس ألم خروج "الروح" من الجسد الذي كانت تستخدمه ، ولا علاقة للنفس بالجسد سوى استخدامه وهو حي (به الروح) لفترة محددة "أجل مسمى" ، وينتهي علاقة النفس بالجسد بمجرد استرداد الله لسر الإحياء "الروح" والتي نهانا الله عن البحث عن طبيعتها بقوله .. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85 ، ولا نعلم شيئا عن كيفية وتوقيت دخول الروح لأي جماد خاصة الحيوان المنوي والبويضة وهما أول بداية لخلق جسد الإنسان ، إلا أنهما يتكونان من خلايا حية من أجساد حية ، وتظل النفس البشرية تدخل وتخرج من هذا الجسد الحي مرات بعدد نومه وإغمائه حتى تخرج للمرة الأخيرة بعد انتهاء أجله ، فلا تستطيع العودة مرة أخرى.
فإذا خرجت النفس من هذا الجسد للنوم ليلا أو أي وقت ، فأين تذهب وماذا تشاهد وما حقيقة ما تشاهده وتأثيره على حياتها الحقيقية على الأرض ؟؟ ، هذا ما أجاب عليه خالق البشر بإيجاز وبلاغة في العديد من الآيات والتي اعتبرها المفسرون متشابهات فخافوا من الاقتراب منها ، مع أن الله تعالى أوضح أن رؤى النفوس حقيقة لا جدال فيها ، وهو ما أثبته سبحانه وتعالى في تفسير رؤية يوسف "عليه السلام" لسجود أحد عشر كوكبا والشمس والقمر له ، ثم في رؤية رفيقيه في السجن والتي انتهت بنجاة أحدهما وصلب الآخر ، وأخير رؤية ملك مصر بقوله .. {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ }يوسف43 ، بل وتعجب سبحانه من جهل رعيته وادعائهم أنها أضغاث أحلام عندما سألهم الملك عن تفسير لرؤياه ، {قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ }يوسف44 ، وفي هذه السورة بالذات يعلمنا سبحانه وتعالى كيفية تفسير ثلاثة أنواع من فئة واحدة هامة وكثيرة التكرار من الرؤى وكيفية تفسيرها ، وهي فئة الرؤى التي تحمل رموزا بعينها ، والتي تراها النفس أثناء انطلاقها للنوم من وراء حجب تحمل معان أساسية مرتبطة بحياة البشر وقيمهم النفسية سواء الثابتة أو المتغيرة عبر تطور حياتهم البشرية .
فهناك معان محددة للحجب والتي تظهر في مجموعة من الرموز التي نراها في الأحلام ، وهذه المعان منها ما هو ثابت لا يتغير بتغير الزمان والمكان وهي المعان المجردة للنفوس ، فالأب والأم هم الشمس والقمر للإبن ، ولكن غالبية الرموز الأخرى تتغير بتغير الزمن والبشر والمكان والزمان وظروف ومعطيات الحياة تبعا لما يعتقده الناس وما تمثله النفوس والأشياء لهم في مجريات حياتهم الفعلية ، وهذا له حديث آخر مختلف ، لأن ما نحن بصدده الآن هو ما بين أيدينا والتي نسميها "ديجافو" أو "رؤى المستقبل" ، بمعنى أنها رؤيا بلا حجب وبلا معان لرموز تحتاج لتأويل أو تفسير بل هي رؤيا "كفلق الصبح" كما يقول عنها رسول الله محمد "عليه الصلاة والسلام" ، وهي جزء من ستة وأربعون من فتوحات النبوة كما يقول رسول الله "عليه الصلاة والسلام" ، وهي رؤيا يمنحها الله لعباده من باب الرحمة بهم ، ليكونوا مستعدين لاستقبال الحدث ، ولكن يبقى أيضا أن نعرف تفاصيل حدوث هذا علميا ودون معجزات قد لا يقبلها العقل والمنطق .
وفي استعراض دقيق لقول الله تعالى "آتى أمر الله فلا تستعجلوه" ، نجد قرارا من الله سبحانه بأن أمره سبحانه في أي حدث يحدث على الأرض قد صدر من قبل فهو في حقيقته "ماض" ، وهو آتي فلا داع لاستعجاله ، وليس مطلقا كما يدعي بعض المفسرون بأنه قرار جوازي بعلم الله المسبق عما يحدث من أحداث ، لأننا في الحقيقة نفاجأ بأن الله سبحانه وتعالى قد شرح هذا تفصيلا في مطلع سورة السجدة بقوله تعالى .. {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ }السجدة5 ، وهنا تقرير تفصيلي بأن الله سبحانه وتعالى يدبر الأمر أي يقرره قبل حدوثه على الأرض بـ "خمسمائة سنة" ثم يتم تبليغه نزولا من السماء ليستغرق هذا الزمن "خمسمائة سنة" قبل أن يحدث ، ثم يعاد تبليغه "تمام حدوثه" صعودا من الأرض للسماء "يعرج إليه" في نفس المدة الزمنية ، ليكون زمن دورة نزول الأمر وصعوده "ألف سنة مما تعدون" ، ويؤكد مصداقية هذا من التاريخ أن الكهنة في كل دولة خاصة اليهود منهم كان لهم سطوة وقدورا عظيمة في كل دولة ، ويلجأ إليهم الملوك والأباطرة قبل قيامهم بأي عمل ، وكانوا يستخدمون الجن لمعرفة المستقبل ، وهو ما ذكره القرآن بأن الجن كانوا يتخذون على أبواب السماء الدنيا مقاعد للسمع يتصنتون على أخبار البشر النازلة من السماء ، ليبلغوها للكهنة ، ولكن في منتصف القرن السادس الميلادي تذكر كتب اليهود ومؤرخيهم أن السماء أغلقت وأصبح لها حرسا يمنعون الجن من التصنت وهو ما أوضحه الله على لسان الجن بقوله تعالى .. وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً{8} وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً{9} وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً{10} ، وتقول اليهود في سجلات التاريخ عن ليلة مولد رسول الله { ولد الليلة نجم نبي آخر الزمان وإنه لنذير شؤم على بني إسرائيل ، فقد قطع عنا خبر السماء } ، ويقول عن هذا الحدث أنهم لا يعرفون هل هذا شر يريده الله بمن في الأرض أم أنهم قد بلغوا الرشد التاريخي "وتلك هي الحقيقة" فحق عليهم أن يقطع الله عنهم خبر السماء .
ويعد التقدير الثاني للجن منطقيا ومقبولا ، فالبشرية كانت تحيا طفولتها منذ وجود آدم على الأرض ، ثم مرت بفترات مراهقة بشرية حتى وصلت لمرحلة النضح لميراثها التاريخي بمولد نبي آخر الزمان ، ولذلك فخلال الأجيال منذ آدم وحتى منتصف القرن السادس لم تكن كثير من المحرمات اليوم محرمة عليهم ، بل تم تحريمها تدريجيا بوصول البشرية لرشدها باكتمال ميراثها التاريخي ، فلم يكون الزواج بالأخت محرما على أبناء آدم ، ثم تدرج حتى وصل لتحريم زواج الخالة والعمة والأخت من الرضاعة وبنات الزوجة حتى وصل لسبعة عشرة حالة مفصلة في سورة النساء ، وكذلك خبر السماء كان مباحا للبشر معرفته بواسطة الجن ، فإذا حجب "خبر المستقبل" ومنع الاتصال بالجن ، وانتهت عصور الرسالات بنبي آخر الزمان ، فلا يتبقى سوى ما يراه النائم في رؤياه الصادقة ، رحمة من الله بنفوس عباده مسلمهم وكافرهم وملحدهم ومؤمنهم ومشركهم ، فكلهم سواسية في هذا ، فالله يعالج نفوس عباده كيفما شاء ، لعلهم يؤمنون ، ولعلهم يتفكرون ، ولعلهم يفقهون ، ولعلهم يرجعون .
وهنا يتبادر للأذهان سؤال بديهي ومنطقي ، إذا كان الله قد قدر ودبر كل ما يحدث في الدنيا ، وأجراه على أيدينا دون قدرة لنا على اختيار "أن نفعل أو لا نفعل" ، فعلى ماذا يحاسبنا الله إذا ؟؟ ، وحار فهمي طويلا في نفس القضية الأزلية هل الإنسان "مخير أم مسير" ، ووجدت أن العلماء قد حاولوا فهم الحقيقة ففشلوا ، فاختاروا أن يدلسوا الفهم بتعمد أو دون قصد لجهلهم بحقيقة الأمور ، حيث قال أفضلهم فهما أن الإنسان مخير في أمور جبرية كيوم المولد ويوم الممات ومصائب الدنيا ولكنه مخير فيما يفعله كله غير ذلك ، وهو تفسير قاصر فاقد لكل معان المنطق والفهم ، جعل البعض مثلا يتخيل أن يستطيع اختيار أن يفعل أو لا يفعل ، وهو منطقيا مناف للفهم الصحيح ، فإذا كان الإنسان لا يقبل ولا يتخيل مثلا أن معدة أو ماكينة صنعها لتؤدي مهمة من الممكن أن تختار هي أن تفعل شيئا خلاف ما صنعت من أجله ، فكيف بخالق البشر وكل شيء أن يقبل أن يفعل مخلوق بيده مثل الإنسان شيئا لم يقرره الله ويكتبه ، فإذا كان الله خلق الإنسان ليعمر الأرض ، فلابد وأن تكون فطرة خلقه تدفعه دوما لإعمار الأرض ، وتلك هي الحقيقة فكل البشر "الكافر والمؤمن والمشرك والملحد" يريد أن يحيا ويتزاوج وينجب ويبني بيتا ويعمر الأرض من حوله ، وهذا إعجاز الله في خلقه ، ولا يملك أيا منهم أن ينفذ ما يقرر أن يفعله إلا لو كان الله قد كتبه من قبل له أو عليه ، وبالتالي فمثلا لا يملك بشرا تحديد عدد أبناءه وما سوف يولد منه ولا نوعهم "ذكرا أو أنثى" ، لأنه سبحانه هو من يقدر ويكتب لنفوس بعينها أن تحيا منذ لحظة محددة إلى لحظة أخرى تنتهي فيها حياتها على الأرض ، ولذلك تنتشر دعاوى الجهل بقدر الله مثل دعوى تحديد النسل ، رغم أن الله حسمها بقوله تعالى في موضوع الإنجاب بأن الله كتبه وما يستطيع الإنسان سوى أن يطلب "يبتغي" ما كتب له بقوله تعالى {.. فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ ..َ }البقرة187 .
أما خلاصة الفهم من كتاب الله لقضية "مخير أم مسير" ، فنجده فيما يقوله رب العزة باختصار وإيجاز ، ويحدد به سبحانه كيف يحاسب البشر وعن أي شيء يحاسبهم ، فنجد أن الله يحدد حسابه على فعل النفوس فيقول سبحانه .. {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ }المدثر38 ، فالنفس مرهونة بما تكسبه ، وماذا تملك النفوس من أي عمل سوى النوايا التي تضمرها وتنتوي فعلها ، بل نتذكر فورا قول رسول الله الثمين .. "إنما الأعمال بالنيات ولكل امريء ما نوى" ، ولم يقل "لكل امريء ما عمل" ، أي أن الحساب دوما على النوايا ، وليس على العمل ، لأن العمل فقط بيد الله ، وهو ما قال فيه رب العزة .. { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً ، إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً } ، فلا يحق لإنسان أن يقول سأفعل شيئا إلا أن يقدم مشيئة الله ، لأنه لا يملك القدرة على الفعل ولكنه يبتغي ما كتب الله فقط ، ومن رحمة الله أن من ينتوي الخير دوما يجري على يديه الخير ، والعكس صحيح ، ولكن هذا لا يمنع أن ينتوي الإنسان خيرا فيجد العمل انقلب شرا مرة أو مرات في عمره ، ليذكره ربه أنه وحده سبحانه صاحب الأمر ومقدر الفعل ولا حيلة لمخلوق فيه ، فقد يجري الله على يديك عملا فيراه الناس شرا تستحق عليه العقاب ولكنه عند الله هو قمة الخير الذي تستحق عليه أفضل ثواب من الله والعكس صحيح ، فالبشر مأمورون أن يحاسبوا على الظواهر ، ولكن الله يحاسب عباده على النوايا التي لا يعلمها إلا هو سبحانه .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
