الإبداع نعمة .. فلا تجعله نقمة … بقلم : جمال عمر


"الإبداع" هو مسمى لفظي يعني القدرة على الإتيان بالجديد ويختلف معناه في المعاجم العربية تبعا للهدف من المعجم ولكن يبقى معنى الإبداع هو الإتيان بشيء غير مسبوق ، وهي أحد صفات الله سبحانه وتعالى ، والتي منح لابن آدم منها " قبسا" في فطرة خلقه ، فكل إنسان وعبر تاريخ البشرية يسعى دوما "بدافع من طبيعة فطرة خلقه" أن يأتي بشيء جديد لم يأت به أحد من قبله ، ولا شك أن الله قد منح البشر هذه الصفة لضرورتها الحتمية لتمكين الإنسان من تنفيذ المهمة التي خلقه الله من أجلها على الأرض وهي "إعمار الأرض كخليفة لله عليها ، حتى يضيف كل إنسان شيئا جديدا غير لما فعله غيره ، فتتنامى الحياة وتتقدم وتتطور سبل ووسائل الحياة على الأرض ، وهذا هو السر الأكبر والسبب الحقيقي والأساسي لتطور الحياة المتزايد منذ آدم وحتى اليوم .

ويعد "الإبداع" صفة خاصة وعظيمة لا يمنحها الله إلا لفئة "العمار" من خلقه دون غيرهم ، ولا يمنحها سبحانه إلا لذوي العقول والألباب سواء الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض وما فيهن ويقودون حركة التطور الإنساني أو حتى لعامة البشر ليتغلبوا بها على مشاكلهم اليومية ، فلولا الرغبة المتجددة لدى كل البشر للإتيان بالجديد ما استطاع إنسان أن يحل مشاكله اليومية ، وما تجددت مظاهر الحياة وما ارتقت أساليب ممارسة حركة الحياة بين البشر ، ولما ظهرت الاختراعات وما تطورت وسائل الحياة على الأرض مطلقا ، والإبداع لا يأتي مطلقا دون اجتهاد في التعلم للعلم وفهمه والعمل به وتطويره بالبحث والابتكار ، وإضافة علم جديد كل يوم لحصيلة العلم في عقل الإنسان ، ولا يأتي بالدروشة والتفرغ للدعاء لله والتقرب إليه بالفروض والنوافل وادعاء أن الله سيمن على المتقرب منه بعلم دون اجتهاد وسعي للعلم كما يدعي بعض الجهلاء ومدعي العلم زورا وبهتانا وضلالا ، وإلا لماذا تخلف المسلمون مؤخرا بتركهم للعلم رغم أنهم يمارسون المناسك والشعائر ويقرأون ويسمعون القرآن أضعاف ما كان يفعله صحابة رسول الله في صدر الإسلام .

وإذا كان "الإبداع" هو أهم أسباب وأسرار التقدم والتطور ، فإن "سوء استخدام الإبداع" هو أهم وأخطر أسباب التأخر والهدم والتدمير للحياة وأهم أسرار فساد حركة حياة الإنسان على الأرض بسوء استخدام الإنسان لنفسه أو مهاراته وقدراته ، ورغم أن كل البشر قادرين على التفريق بين الخطأ والصواب ، ولكن ليس كل البشر قادرين على تحمل مسئولية أمانة الاختيار ونزاهة القرار وصدق النوايا ومصداقية النفوس ، فعادة ما تلجأ بعض النفوس للخداع والضلال عندما تعجز عن الإتيان بجديد صالح ونزيه وشريف ، فتزور المفاهيم وتضفي على الشرور رونقا وبريقا مزيفا لتصنع منه "إبداعا مزيفا" تستطيع من خلاله التواجد على قمة حياة البشر زورا وبهتانا وضلالا .

ولا شك أيضا أن إبليس الذي أقسم لله تعالى .. {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }ص82 ، قد استغل أمثال هؤلاء من الباحثين عن مجد وسيطرة وتميز "دون وجه حق" ، فصنع منهم أول جماعة دينية كافرة بقيومية الله عليها في التاريخ البشري والتي سماها "الصوفية" ، وأقنعهم أنهم يتميزون عن غيرهم بالتفكر في الذات العليا لله (وهو محرم في كل الكتب السماوية) ، ثم الذوبان في الذات العليا لله (وهو خداع لا وجود له إلا تخيلا وضلالا) ، ثم ينتقي الله ذاتا بشرية يتنزل فيها فتكون وكيله ونائبه على خلقه على الأرض (وهو ما لم ولن يحدث مطلقا) ، والغريب أنه ما زالت تلك هي أساسيات "الصوفية" في كل الأديان حتى اليوم ، ومن فرق وجماعات إبليس في كل دين بداية من الصوفية تشعبت فرق وأشكال محاولات الإبداع الزائف (الإتيان بأي جديد) ، فأصبح التشدد وفرض ما لم يفرضه الله هدفا يسعى له تجار الدين في كل ملة وفرقة ودين ، وأصبح العري والتحريض على الزنا والشذوذ والفواحش إبداعا للطرف الآخر ، تحت شعارات حرية الاعتقاد أو الفكر أو الفن والإبداع ، حيث احترف إبليس وشياطينه إسقاط البشر في شتى مستنقعات الإبداع في أسوأ استخدام للإنسان لهبة الله ونعمته .

ولم يقتصر سوء استخدام صفة الإبداع "الإتيان بالجديد" عند احتراف الفواحش كوسيلة لتزوير وضلال التميز ، ولكنه تعدى إلى تدمير الإنسان لحياة غيره من البشر بدوافع السيطرة والهيمنة والاستيلاء على ثروات ومميزات حياة الغير دون وجه حق ، فاخترع الإنسان الأسلحة ليقتل بها بني جنسه ويقهره ، وفي سبيل ذلك قام شياطين الإنس والجن بتزوير مفاهيم كل الأديان السماوية بداية باليهودية ثم المسيحية وانتهاء بمفاهيم الإسلام الأساسية والتي لم يتبق منها إلا ما يدفع المسلمين للتفرق والتشتت لفرق وجماعات تعدت السبعين فرقة وجماعة ، مع استمرار مسلسل السقوط في مستنقعات إدعاء التقرب لله لكسب رضاه وجنته بالإكثار من مظاهر الفروض والمناسك والشعائر مدعين كذبا أنها العبادات التي خلقنا الله من أجلها ، وهي أكبر الضلالات المقدسة التي لم يجرؤ مسلم واحد أن يعيد التدبر والبحث والتفكر في حقيقة العبادات ولماذا تحول المسلمون من سيء لأسوأ عبر ألف سنة مضت .

وتعد مؤامرة تقسيم المسلمين لأنفسهم لفرق وجماعات هي من أسوأ وأخطر ما ابتدعه المسلمون عبر تاريخهم ، رغم تحذيرات رسولهم تحديدا من هذا ، ورغم نهي الله الصريح عنها ، ورغم قرار الله في القرآن العظيم بأن الانتماء للفرق والجماعات هو شرك صريح بالله ، إلا أن كثير من مشايخ وعلماء المسلمين ما زالوا متمسكين بانتماءاتهم للفرق والجماعات التي ابتدعوها زورا وضلالا ، ولم ينتبهوا أن تزويرهم المفاهيم قد جر عليهم سخط الله وغضبه ، فأهانهم وحط من شأنهم في الدنيا ، ولهم في الآخرة عذاب عظيم ، بل ورغم فشل نظم التفريق لفرق وجماعات في الارتقاء ودفع عجلة التقدم للمسلمين ، إلا أنهم لم يتنبهوا لما سقطوا فيه ، فما زالوا مصرين على تجاهلهم شركهم الصريح بالله ، وشغلوا أنفسهم زورا وبهتانا بالبحث عن أسباب أخرى لهوانهم وتخلفهم ، وكأنهم ليسوا أفضل من إبليس نفسه الذي كفر بقيومية الله عليه لظنه أنه يعلم ما غفل الله عنه ، حتى قال بعض علماء الوهابية في تأله صريح على الله .. { نعلم أن الله لم يفرض النقاب على المرأة ، ولكننا نرى أنه ضرورة في هذا الزمان } ، بل قال أحد قادتهم الكبار { أعلم أن الله أمر الرجل بالاصطبار (الصبر باللين والمودة) على زوجته التي لا تصلي ، ولكني أقول لهذا الرجل طلقها ولو لك منها عشرين ولدا } ، وهو قمة الكبر والتأله على الله والكفر بقيوميته عليهم ، وكأنهم وهم يدعون العلم بدين الله وأصحاب قرآنه لم يقرأوا قول الله تعالى .. {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ .. }الحجرات16 أو قوله تعالى { .. قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ .. }البقرة140} .

ولا يقتصر سوء استخدام الإبداع عند تشويه القيم والأخلاقيات أو حتى مفاهيم الأديان أو حدود الله وأحكامه ، ولكنها تخطت كل هذا لتصبح متلازمة لكثير من البشر حتى في مضمار التطور العلمي ، لنكتشف فجأة أن وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" قد زورت رحلتها للقمر ونشرت فيديوهات كاذبة وملفقة ومصورة في صحراء نيفادا على أنها لهبوط رواد فضاء على القمر ، بل ونكتشف أن خرائط الأرض التي أصدرتها ناسا عبر السنوات الأخيرة ، هي خرائط مزورة بواسطة تقنيات حديثة ولا علاقة لها بواقع تضاريس الأرض ، فضلا عن أخفائها لكثير من الحقائق العلمية ، ونشر كثير من الأكاذيب بدلا منها ، وكأن البشر قد أصابهم الغباء والحماقة ، فيدمرون حياتهم ومستقبلهم على الأرض بأكاذيب متعمدة ولا مبرر لها سوى حماقة سوء استخدام هبة الإبداع الفطرية .

وليس هذا جديدا على البشر ، فما زال الغرب يحاول جاهدا طمس وإخفاء حضارة المسلمين العلمية التي نقلت البشرية من قاع التخلف لقمة العلم ، ولكنهم لم يستطيعوا إخفاء .. { أن المصفوفات الخوازمية هي أساس عمل كل الحواسب الآلية حتى يومنا هذا ، وأن علم الجبر يسمى في كل لغات الأرض باسم مخترعه (جابر بن حيان) ، وأن أدق نموذج لتشريح الجسد البشري في العالم ما زال هو "نموذج الفارابي" ، وأن أول وأكبر مدفع في التاريخ هو "مدفع محمد الفاتح" الذي اخترعه ودك به أسوار القسطنطينية وما زال يزين المتحف البريطاني حتى اليوم ، وأن "ابن خلدون" ما زال هو امبراطور علم الاجتماع على الأرض ، وأن الغرب قد تعلم الاستحمام والنظافة بالماء من المسلمين ، بعد أن ماتت "ماري انطوانيت" وهي لم تستحم بالماء لمدة أربعين سنة ، بل وما زال الأوربيون حتى اليوم يعانون من تفشي الأمراض التناسلية والهضمية لخوفهم الأسطوري من النظافة بالماء في دورات المياه} ، أو لمجرد مخالفة من يكرهون تميزهم عنهم .

ولا داع للذهاب بعيدا عبر البشر والتاريخ ، فكثير منا في حياته الشخصية يعاند نفسه أو أهله ومن يعيشون معه ، لمجرد إحساسه بأنه متفرد فيما يفعل ، وهو شعور فطري طفولي تراه بوضوح في تمسك طفلك بالرفض لأي شيء وكل شيء لمجرد إثبات ذاته ووجوده ، والكارثة أن كثيرا من البشر يفشل والداه في تربيته ، فلا ينجحون في تقويم هذا الشعور الفطري ولا يوجهونه التوجيه التصحيح ليستفيد منه الإنسان أو يفيد به غيره ، فإذا انتشر هذا في مجتمع ، ظهر فيهم الفرقة والاختلاف والعداء والتخلف ، وهو ما نراه واضحا في مجتمعاتنا المدعية للإيمان ، بتعمد الغالبية ممارسة سوء استخدام هبة الإبداع (الإتيان بالجديد) في أحقر صوره .. بالتنطع على بعضهم البعض ، والسير في الممنوع وخطف الفرض والواسطة والرشوة واستحلال المرتبات والأجور بلا عمل وإهدار وتخريب المال والمرافق العامة والفهلوة والنصب ، وهو ما يعتبر أسوأ صور "سوء استخدام الإنسان" لهبة "الإبداع" ، ثم يدعون أنهم مؤمنون بالله أو متدينون ويعرفون الله .. والله بريء منهم .. ومما يدعون ويفعلون ..

أخيرا .. لابد أن نتذكر .. أن ناموس الله في خلقه .. والمتمثل في طبيعة ردود الأفعال البشرية في المجتمعات ، والتي تعد من المفاهيم الأساسية لعلم الاجتماع ، قد أثبتت أن الإلتزام بالحدود والقيم والأخلاقيات يستفيد منه فاعله أضعاف ما يستفيده غيره منه ، حتى ولو كان المجتمع حوله فاسدا وغير ملتزم ، وأنه من الغباء أن ينتظر الإنسان التزام غيره أولا حتى يكون هو ملتزما ، لأن التزامك رغم تفريط غيرك وفساده سوف يجبر غيرك على احترامك وتقديرك ، سواء في حياتك أو كذكرى لشخص متميز وكريم النفس ، فضلا عن شعورك النفسي الرائع بقدرتك على  التميز والتفرد ، ومن المؤكد أن هذا سهل المنال فقط لو كان الإنسان صاحب نفس قوية وتعرف معنى الاحترام والتميز .

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *