الضعف والاحتياج .. ناموس الخالق في خلقه (2) .. بقلم : جمال عمر


توقفنا من قبل عند معضلة الموازنة ما بين الضعف والاحتياج خاصة في تربية الأجيال التي ساءت لدرجات كبيرة ، خاصة بعد سقوط محيطنا العربي في شرك الربيع العبري ، والذي كان فرصة ذهبية لتفجير أسوأ ما في جعبة الكبت الأخلاقي بين الأفراد في المجتمعات العربية ، وساعد الإعلام الماسوني المسيطر على أكثر من 95% من القنوات الفضائية في الشرق الأوسط على نشر شعارات براقة ومبهرة ولكنها تحمل في جعبتها أشد السموم النفسية فتكا بالبشر ، والتي صنعت خصيصا لتدمير وتفكيك روابط الأسر والمجتمعات ، ونشر فكر وثقافة الانحراف والتخريب تحت شعارات التطور والحرية والمساوة والعدالة الاجتماعية والديموقراطية والشفافية وغيرها الكثير من الشعارات التي تلهب مشاعر الشباب والمراهقين والجهلاء وضعاف الفهم والإدراك وما أكثرهم بين عوام البشر على الأرض ، والذين لا يدركون أن حكمة الشعور بالضعف في مجال معين تتطلب التعاون مع من يملك القوة في هذا المجال ، لتتكامل وتتزايد معدلات تطور الحياة وتقدمها بداية من تعاون الذكر والأنثى لاستمرار الاستخلاف على الأرض ، وانتهاءا بتعاون الدول للارتقاء بحياة البشرية جمعاء ، وليس معناه مطلقا اغتصاب ما تحتاجه على حساب غيرك ، فيدفع الجميع ثمنه عداءا ثم حروبا فهلاكا وخرابا ودمارا للبشرية.

ولا نستطيع أن ننكر أن الغرب والدول المتقدمة كانت هي أيضا ضحية فشل خطير في الموازنة ما بين الضعف والاحتياج ، وليس فقط على مستوى العلاقات الاجتماعية الداخلية ، ولكنها أيضا على المستوى الدولي والتعامل بينها وبين دول العالم ، فعبر التاريخ لم يتوانى الغرب عن احتلال الدول وسرقة ثرواتها وخيرات بلادها ، واستمر هذا الفجور النفسي والأخلاقي لدى هذه الدول حتى اليوم ، فرأينا كيف تباهى الجيش الأمريكي بعمليات سرقة احتياطي الذهب من خزائن العراق بل وثروات متاحفها وأموال بنوكها دون أدنى حياء ، تحت شعار "جئنا نحمل الديموقراطية والخير للعراق" ، ولم تتوانى بريطانيا ودول الغرب عن سرقة بترول ليبيا ، ومعادن إفريقيا ، ولا يخفى على أحد سيطرة أمريكا على بترول وثروات الخليج العربي بل والعالم أجمع من خلال فرض الدولار كعملة رسمية للتعاملات في العالم ، حتى أصبحت أمريكا قنبلة موقوتة وتضخمت ديونها الداخلية والخارجية حتى أصبحت اصبحت الأموال الخليجية هي أكبر مصدر ورصيد للدخل الأمريكي ، ولذلك فسياسة فرض القوة والهيمنة الأمريكية هي الوسيلة الوحيدة لبقاء أمريكا كدولة عظمى موحدة ، وهو ما تدركه جيدا دوائر الماسونية العالمية والتي ربما تستخدم هذا قريبا في عملية إسقاط أمريكا كوسيلة لإسقاط دول عظمى أخرى مثل روسيا والصين ، حتى لو كلفت العالم حربا عالمية ثالثة تتخلص فيها من كل القوى التي تعوق السيطرة الكبرى والنهائية على العالم .

ولا شك أن سوء الفهم لمعضلة الضعف والاحتياج قد أسفر عبر التاريخ عن وجهه القبيح في مختلف الحروب بين البشر ، وما زالت البشرية غارقة في غباء الفهم حتى وصل بنا الحال أن تخطط مجموعات مثل الماسونية لتصفية ستة مليارات من البشر في مخططها المسمى بـ "مخطط المليار الذهبي" ، بإشعال الفتن والحروب بين الأمم والشعوب المستهدفة لتصفي نفسها بأيديها ، أو بواسطة جماعات منها ، تماما مثلما صنعت بريطانيا الوهابية والسلفية والإخوان والجماعات المنبثقة منها لتخريب الدين ، ثم صنعت أمريكا "القاعدة" لتخريب أفغانستان ودخول العراق والمنطقة العربية ، ثم صنعت داعش لتصفية الشعوب العربية واعترف قادتها مثل "جيمس وولسي" مدير وكالة المخابرات الأمريكية الأسبق و "هيلاري كلينتون" في مذكراتها و "برنارد لويس" مهندس سايكس بيكو الثانية وصاحب مخطط إعادة تقسيم الدول العربية مرة ثانية لدويلات وكيانات متنازعة ، مثلما يحدث الآن في سوريا والعراق وليبيا ، بل واعترف غيرهم الكثير بكل مؤامرات السيطرة والهيمنة والتخريب لدول الشرق الأوسط العربية دون حياء ، وما زالت بريطانيا وأمريكا والغرب يدعمون ويسلحون داعش ويحافظون على استمرارها ، بل ويتباهون بأن قمة نجاحاتهم تمثلت في صناعة " إسلاما يناسبهم " في الدول المسلمة ، بل ونجحوا في استدراج العرب والمسلمين ليدفعوا تكلفة دمارهم وخراب بلادهم من أموالهم وثروات شعوبهم  مثل قطر وغيرها دولا بعينها من خلف الستار .

فما أغبى من يدفع ثمنا لهلاكه ، وما أحمق البشر جميعا وهم يسعون لدمار وتصفية بعضهم بعضا ، وكأننا لا ننتبه مطلقا أن ما نفعله اليوم بأيدينا في بعضنا البعض قد كان " يوما ما " قسما قطعه إبليس على نفسه أمام ربه بقوله .. {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }ص82 ، ونتناسى كمسلمين أن الله حذرنا من إبليس بقوله تعالى .. {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء .. }المائدة91 ، وكذلك قوله تعالى .. {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ }فاطر6 ، وكأننا نسينا أن الله استخلفنا على الأرض بديلا للجن الذين فسدوا في الأرض وسفكوا دماء بعضهم البعض ، حتى أن الملائكة قالوا لربهم عندما أبلغهم بخلقه للإنسان خليفة جديدا على الأرض .. {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }البقرة30 ، ولولا قول الله سبحانه وتعالى "إني أعلم ما تعلمون" ، لكنا ضحايا شياطين الإنس والجن ، ولكن الله يقول في كتابه العزيز .. {.. كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ }المائدة64 ، وصدق الله في قوله تعالى .. {.. وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }يوسف21.

أخيرا .. هل يجب أن نتوقف كثيرا عند فهمنا لناموس الله في خلقه ، وهل يجب علينا أن نتوقف أكثر عند ما زورناه من فهم دستور الحياة للبشر الذي أنزله الله في قرآنه العظيم ، خاصة وأننا زورنا معظم مفاهيمه البسيطة والعظيمة ، وصنعنا منها ضلالات مقدسة ، أدت لهروب المسلمين من سلطانها ، وأصبحوا يعيدون تكرار كارثة هروب الغرب من الكنيسة ، بعد أن أصبح القرآن العظيم حجابا وبركة للمناسبات ، وأصبح من يدعون الدين من المسلمين دروايشا لا قيمة لهم ، لأنهم صدقوا ونشروا أكذوبة حصر الدين في ما أسموه فقط بـ "العلم الشرعي" الذي يضم الفروض والحدود والأخلاقيات والمعاملات والتي لا تمثل أكثر من (10%) من آيات القرآن ، ونسينا أو ربما جهلنا أن القرآن العظيم هو دستور الحياة من الخالق والذي يحتوي على حدود وتبيان لكل العلوم البحتة والتطبيقية التي يحتاجها البشر لإعمار الأرض ، بل وتمثل آيات العلوم البحتة وحدها في القرآن العظيم أكثر من نصف عدد آياته ، وأكثر من عشرة أضعاف آيات "العلم الشرعي" التي ألفنا فيها أكثر من ثلاثة ملايين كتاب ، وبالتالي فالعلوم البحتة هي عين الدين وقلبه ، وهي وسيلة أداء مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها ، واستخلفنا بها على الأرض .

بل ومن العجيب أن النفس البشرية قد وصفها وفصلها خالقها العظيم سبحانه في أكثر من (300) ثلاثمائة آية بما يساوي ضعف آيات الفروض والحدود (180) آية ، ولكننا فضلنا أن نأخذ علوم النفس عن نظريات بعض البشر المستنتجة من تجاربهم على المختلين والمرضى ، بل وتجاهلنا أكثر من (770) آية في وصف خلق الله للإنسان وأحواله ومستقبله ومراحل استخلافه على الأرض ، فهل .. كفانا خيبة وتخلفا وحسرة أننا صدقنا الجهلاء والحمقى في ادعائهم أن الأهم في القرآن العظيم هو ما أسموه "العلم الشرعي" فأهملنا آيات الخلق والعلوم البحتة صاحبة النصيب الأكبر والأهم في كتاب الله ؟؟ ، وهل .. اكتفينا من الغط غرقا في صورة الحمار الذي يحمل أسفارا" نأكل ونرعى وننجب أجيالا جاهلة متخلفة وأسيرة لغيرها من الأمم بسلطان العلم والتقدم ، وننتظر غيرنا من الأمم كلما اكتشفوا حقيقة علمية قلنا لهم "دون حياء من الله" أن لدينا في القرآن آيات من خالقنا تقول بهذه الحقائق .

ومن العجيب أن أصحاب مسمى "العلوم الشرعية" قد فشلوا فشلا ذريعا في الوصول بالمسلمين لبر الأمان في ممارسة حركة حياتهم ، رغم أنهم كما يدعون "رجال الدين وحماته" ، ولا يخفى على بشر أن حماقاتهم وضلال وشطط فهمهم للدين قد أدت لتقسيم المسلمين إلى أكثر من سبعين فرقة وجماعة ، بل وأصبح رموز الإسلام أنفسهم يمارسون هذه التفرقة بل ويتفاخرون بالانتماء للجماعات والفرق ، رغم أنهم جميعا يعلمون أن الانتماء للفرق والجماعات هو شرك صريح بالله تعالى كما يقرره سبحانه في سورة الروم .. {.. وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } ، بل وما زال بعضهم يدعي أنهم وكلاء لله على الأرض ويفرضون الوصاية على الناس ، رغم علمهم بأن الله قد نهى عن الوساطة والوكالة والوصايا في قرآنه العظيم فلا وسيط بينه وبين خلقه ، ورغم علمهم المسبق أن هذا تحديدا هو ما أدى لسقوط الكنيسة في الغرب ، وهو نفسه ما أدى لظهور جماعات الإلحاد في مصر منذ سنوات قليلة ، وحدث ولا حرج عن الاختلاف في الفتاوى وفوضى الفتاوى الدينية التي بلغت حدود ابتداع ضلالات أصبحت مقدسة ، مثل ضلالة انتشار النقاب اليهودي المتفشي بين اليهود والشيعة والوهابية أو السلفية ، وكفاهم عدم إدراكهم أو ربما انعدام الأمانة والشجاعة للاعتراف بعبث النقاب النفسي بنفوس من يرتدينه ونتائجه الكارثية على المجتمع من تفشي الفواحش والجرائم خلفه .

  

ولا شك .. أن سقوط البشر في مستنقع الفشل عند الموزانة ما بين الضعف والاحتياج قد حدث ويحدث في كل لحظة على الأرض كنتيجة مباشرة لسوء استخدام "هبة الإبداع" من الله لمن يعمر كونه مثل "بني آدم" ، والتي منحها الله لهم ليتعاونوا بها في إعمار الأرض وتطوير الحياة عليها ، ولاشك أن "صفةالإبداع" والتي تفجر دوما الرغبة الفطرية داخل كل منا وتدفعه أن يحاول أن يفعل في الدنيا ما لم يفعله غيره ، هي صفة رائعة وعظيمة ، ولكنها في نفس الوقت صفة خطيرة ومدمرة إذا أساء الإنسان استخدامها ، وأبرز أوجه إساءة استخدامها هي التي نراها في بعض ضعاف القدرات النفسية والعقلية عندما تستولي عليهم حماقة الرغبة في الامتياز والسيطرة والهيمنة على غيرهم ، فيختلقون زورا وكذبا وضلالا ما يفرضونه على واقع حياة غيرهم من البشر مستغلين غباءهم وميولهم أو حتى شهواتهم للسيطرة عليهم ، تماما مثلما تركز بروتوكولات حكماء صهيون على شهوات وحماقة رغبات البشر لتسيطر عليهم وتوجههم لتخريب وتدمير أوطانهم ومجتمعاتهم سواء بتدمير القدوة أو الشائعات أو التشدد الديني والمجتمعي أو بالتفريط والانحراف وإطلاق العنان للشهوات تحت مظلات الشعارات البراقة والمضللة ، وهو ما يجب أن نتنبه له جيدا خاصة في تأثيراتها الخطيرة على تربية وتنشئة أجيالنا القادمة . والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *