"القيل والقال" هو مسمى عربي لثرثرة الناس في أمور مبهمة سمعوها من غيرهم ومعلوماتهم عنها سطحية وربما معدومة ولكنهم يتحدثون بها وكأنها حقائق لديهم أدلة على حدوثها ، وهي آفة البشر الكبرى في كل زمان ومكان ، ورغم أن قيم الأخلاق التربوية الأصيلة ترفض هذا السلوك ، ورغم أن معظم المسلمين والمسيحين يعلمون أن القيل والقال منهي عنه في كل الأديان السماوية ، فالحديث القدسي يقول "إن الله يكره لكم ثلاث ، القيل والقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال" ، ويؤكد الإنجيل على هذا المعنى بقوله.. "من يصون فمه ولسانه يحفظ نفسه من المتاعب" (أمثال 21: 23 ) ، ويقول أيضا {من يحتقر جاره يفتقر إلى الإدراك السليم ، وذو الفطنة يعتصم بالصمت ، الواشي يفشي السر، والأمين النفس يكتمه." (أمثال 11: 12-13) ، إلا أن الغالبية العظمى من الناس يستهويها الخوض في الحديث عن مساويء غيرهم وأخطائهم ، متجاهلين تلك القيم الفطرية ، ربما ظنا منهم أن الدين وقيمه قد أصبحت بلاهة وميراثا قديما ، وربما يعتقدون أنها ذنوب بسيطة مغفورة لهم ، ولكنهم جميعا يجهلون أن الكلمة أمانة وأخطر من الأسلحة القاتلة لأنها ربما تقتل صاحبها وتهلكه قبل غيره ، كما يقول صلوات ربي وسلامه عليه { إن العبد ليتكلم بكلمة من سخط الله ما يتبين فيها ، فيكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه } وفي رواية أخرى إنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ } .
إلا أن هذه القيم الأخلاقية قد سقطت وبدأت في التواري ، حتى أن كثيرا من البشر حاليا إن لم يكن الغالبية العظمى ينزلقون سواءً بشهوة النفوس أو رغما عنهم في مستنقعات الحديث عن الحوادث والأحداث المثيرة خاصة لو كانت خطيرة أو فاحشة أو حولها كثير من اللغط والجدال ، ويزداد الأمر سوءا لو اشترك كالعادة من يستهويهم تصيد الأخطاء للآخرين ، وتفنيد انحرافاتهم وسرد أخطائهم مع إضافة الرؤى الشخصية ووجهات النظر أو ما نسميه "البصمة الشخصية" ، وهو ما يفاقم الموضوع ويتجاوز به حدود القيل والقال فيتحول لإشاعة مؤثرة ، تستوجب النقد والانتقاد وهو ما يفعله الكثيرون منا استمتاعا بجلد الذات ومعاقبتها ، وربما يفعله مجاملة أو قتلا للوقت ، أو تحت مسمى المصلحة العامة والوطنية ، أو ربما لأهداف أخرى تماما ، ولكن في جميع الأحوال أصبح هذا النمط من الكلام معتادا ومستساغا لقضاء الوقت والتسامر خاصة عبر العالم الافتراضي على صفحات التواصل .
وحقيقة .. إن لم يكن النقد أو الانتقاد هادئا وهادفا للإصلاح دون تخصيص بأشخاص أو إعلانا لضرر حقيقي حدث بالفعل لصاحب الحديث ، فقد سقط صاحبه ضحية خطئاً دينيا واجتماعيا بل وعلميا خطير بكل المقاييس ، ويعود ضرره كاملا على فاعله أولا ثم على المجتمع من حوله ، فمن المؤكد دينيا أن ما يقوله المنتقد بانتقاده إن لم يكن ما يقوله حقيقة ثابتة رأتها عيناه ، فسوف يعود عليه ما يقوله بشرور لا يتخيلها ، وسوف يدفع ثمنه غاليا في حياته سواء باعتياد نفسه الاستمتاع بذكر وتخيل السيء والفواحش بحثا عن الإثارة ، ثم استساغة فعلها بكثرة ترديدها ثم الانزلاق فيها ، أو بحتمية وقوعه فيما يرويه وينتقد فاعله عليه ، وتلك هي حكمة ناموس الخالق في خلقه ، والتي يجهلها الغالبية العظمى من البشر ، ولا ننسى أن الدول العربية التي سقطت بمؤامرة الربيع العبري ، هي التي تورطت في تصديق مؤامرات الإعلام الصهيوني وأفكار التطرف الديني والفكري ، مثلما صدقوا ادعاءات وأكاذيب تجار الدين فتفرقت الأمم وقتلت شعوبها بعضها البعض ، لنكتشف أن فرق داعش والقاعدة صناعة الماسونية التي لا تتحرك ولا تهتم لسقوط الدول وقتل وتشريد الملايين كالسوريين والليبيين والعراقيين واليمنيين ولكنها تهب فقط لسقوط عملائها الخونة مثل مرسي العياط وخاشقجي .
ولا شك أن حكمة ناموس الله في خلقه ، والتي يجهلها أو ينكرها كثير من البشر ، خاصة تجار الدين في كل دين وملة ومذهب ، أن البشر جميعا (أيا كان دينهم ومعتقداتهم) ، كلهم عباده وصنعته ويحبهم سواسية ويغار عليهم ، ولا يقبل تعدي ولا تأله أحدهم على غيره ولو بالقول ، وهو سبحانه محاسب كل منهم على قدر ما آتاهم (أعطاهم) في الدنيا من معطيات ظروف حياة ، بداية من تاريخ ميلاده ووالديه وأهله ودينه وعمره وظروف وأحداث حياته ، كلها جميعا معطيات من الله ليختبر فيها ابن آدم ويحاسبه على ردود أفعاله فيها ، وهكذا شاء الله وجود الاختلاف بين البشر في الفكر والثقافة والمعتقدات ليختبر بعضهم ببعض .. { .. لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }المائدة48 ، ولم يجعل الله لبشر سلطة على غيره مطلقا ، حتى أنه سبحانه خاطب أعز خلقه وآخر رسله بقوله { فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ، إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ ، فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ، إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} الغاشية (21 : 26) ، فحتى "الكافرون" يقول سبحانه وتعالى لرسوله أنه غير مسئول عنهم والله وحده صاحب الحق في عقابهم يوم القيامة ، وتلك هي أبسط معان الحكمة في التعامل مع خلق الله ، وهو ما يفتقر معظم البشر لفهمه ، وعلى رأسهم تجار الدين ومن ينصبون أنفسهم بالزور أوصياء على خلق الله جهلا وتنطعا حتى على أوامر الله وحكمته .
ولكن يبقى فقط للحاكم أو ولي الأمر الحق في محاسبة البشر على استقامة سلوكياتهم في الدنيا ، ليحافظ على نشر العدل بين الناس ، وتلك هي أمانته التي يحاسبه الله عليها ، وليس لغير الحاكم ومن يعاونه (كل في تخصصه) سلطة على أحد من البشر مطلقا ولا حتى بالكلمات أوالقيل والقال ، بل إن ما أروع ما شرعه الله وعلمنا إياه ، أن الإنسان لو رأى رجلا وامرأة في حالة تلبس بالزنا كاملة ، فليس له أن يقول هذا لبشر أو يعلنه إلا لولي الأمر أو الحاكم وفي حالة واحدة ، وهي أن يكون لديه أربعة شهود عاقلين عدول يقسمون أنهم رأوا عين الزنا بعيونهم ولا شبهة فيه ، وهو شرط مستحيل وصعب تحقيقه ، وذلك لأن الستر عند الله أولى ومقدم على أي فائدة من فضح الآخرين ، لأن هذه حالة شخصية بين رجل وامرأة ، وأضرار نشرها أضعاف سترها ، وبالتالي فلا يجوز مطلقا بل ومحرم تحريما مطلقا أن يتحدث الإنسان بكل ما تراه عيناه كما يقول رسول الله .. "كفى المرء إسما أن يتحدث بكل علم" ، ولذلك يصبح الحديث بما لم تراه عيناك وذنبا خطيرا من الكبائر ، إلا أن يكون جريمة تحاول إنقاذ حياة بشر بحديثك ، ولا يجوز أن تنقل كلاما عن غيرك ، لم تره عيناك على أنه الحقيقة ، فتلك شهادة زور لا يقبلها الله ، بل ويلعن صاحبها ويسخط عليه ، حتى أن حالة الكفر قال فيها رسوله الكريم .. { من قال فلانا كافرا فقد باء بها أحدهما} ، بمعنى .. { إن لم يكن من قيل في حقه سيموت كافرا ، فقد كتب الله على قائلها أن يموت كافرا بدلا منه } ، لأن الادعاء بغير علم بما كتبه الله هو تأله على الله في خلقه ، لا يقبله الله من عباده على عباده ، ويعاقب عليه بأشد العقاب .
وعجبا .. نرى شبكات التواصل الاجتماعي وقد زخرت بالحمقى والجهلاء ومعدومي الفهم وضعاف الأخلاق والتربية ، وهم ينشرون أحداثا لم يروها ولكنهم تناقلوها على أنها حقائق مسلم بها ، بل غالبا ما تكون إشاعات تبثها شبكات بعينها تستهدف الجهلاء والسفهاء ليرددوها ، وغالبا ما يتطوع محترفي القيل والقال لإصدار الأحكام على أشخاص دون علم وينفذ حكمه بالسب والقذف في حق من يتهمهم في ذممهم ودينهم وأعراضهم ، وعادة لا يقبل هؤلاء المدعون بالباطل أن يخالفهم أحد في الرأي ، ويعتبرون مخالفة الرأي سببا كافيا للسب والقذف وانتهاك الحرمات لمن يخالفهم الرأي ، وغالبا ما يكون هؤلاء الحمقى الجهلاء يتحدثون باسم الدين أو باسم الحريات ، وهو ما اعتاد الجهلاء وتجار الدين فعله ، وقمة حماقتهم أن لا يدرون أنهم بسوء أخلاقهم يثبتون لكل مطالع لما يقولونه أنهم كذبة مزورين ومضللين ومعدومي الأخلاق والدين ، بل ومجرمين في حق الله وخلقه .
وبعيدا عن قيم الأديان السماوية التي قد يمل البعض منها أو قد لا تجد في نفسه وقعا مقنعا تبعا لما تعود عليه في نشأته ، لابد وأن نتوقف طويلا عند فكر علماء النفس الاجتماعي ، وهم يحذرون الأفراد والمجتمعات من التدخل في حياة الآخرين ، والتوقف الفوري عن ترديد كل ما يقوله البعض دون دليل قاطع على غيرهم من الأشخاص خاصة أصحاب السلطة ومن نراهم رموزا للمجتمع أو المجتمعات الأخرى ، والذين تستهوي شياطين نفوسنا "التي تكره السلطة" المساس بهم ومحاولة إثبات أنهم ليسوا أفضل منا ، وما لذلك من تأثيرات سلبية خطيرة على المجتمعات والأمم ، بإفقاد المجتمعات قيمة القدوة والرموز وتشويهها ، وهو ما يهدم القيم والمباديء في المجتمعات ، ويسرع من عمليات هدم الأمم ، وهو ما رأيناه وعانينا منه خلال سنوات الفوضى وحتى اليوم ، والتي نتج عنها ظهور جماعات الإلحاد والشذوذ كنتيجة مباشرة لاشتراكنا جميعا في هدم القيم والرموز التاريخية والدينية ، والتي ما زالت تمارس علينا بواسطة صانعي الجماعات الماسونية من الإخوان والوهابية وما خرج من عباءاتهم ، ولعل أقرب الأمثلة ما حدث من هدم لرموز السلفية مثل زواج شيخ السلفية محمد حسان من فلانة فنانة الإثارة الشهيرة ، والقبض على شيخ سلفي وعضوا بالبرلمان متلبسا بممارسة الفواحش عاريا في سيارة على الطريق العام ، ثم زواج أحد رموز الدعوة الإخوانية الجدد ووريث عمرو خالد من نفس فنانة الإثارة السابقة ، وما هذا التهريج إلا مؤمرات مخططة لبناء رموز وهمية يتم هدمها لينتج عنها سقوط القيم في المجتمع ووقوعه فريسة سهلة للسيطرة عليه فكريا وثقافيا ثم ماديا وبأيدي أبنائه .
أخيرا لاشك أن كل ما يدور من لغط وبلبلة تدفع للخلاف والفرقة في أي مجتمع ، وتقطيع أواصر الترابط المجتمعي تنبع أساسا من اعتياد أفراده ترديد القيل والقال "الإشاعات" والتفاعل معها ، وهذا هو الفارق بين المجتمعات الواعية التي تجيد التحكم في أقوالها وما تردده ، وبين المجتمعات العشوائية التي تدعي الفهم والفهلوة وتسيء تربية أجيالها ، ثم تشكو من فشلها ، وتحترف تعليق فشلها على مختلف الشماعات السببية ، وعلى رأسها الدولة والحكومة حتى أن بعض الشعوب تحترف أفرادها ممارسة الفساد والرشوة والجشع واستغلال بعضها البعض ، ثم تصرخ وتشكو وتطالب حكوماتها أن تتصدى للفساد ، وكأنها تطالب الحكومات بمعاقبة الشعب كله ، أو تحويل الدولة لمعتقل كبير ، وهم لا يطيقون تحمل أية مسئوليات أو ضغوط .
فعجبا نرى نفس الأشخاص الذين استنجدوا بالدولة للتدخل لمنع التجار "مثلا" من الجشع في أي أزمة سلعية ، هم أنفسهم ينتقدون تدخل أجهزة حكومية بعينها في مساعدتهم كالداخلية والقوات المسلحة ، وبعضهم يقول "أولى بهم أن يقوموا بواجباتهم الأصلية" ، ولا يرى أنهم الجهات الوحيدة في يد الدولة التي تمتلك سلطة وانضباط كافيين لنجدتهم سريعا ، وهو ما يتم اتباعه في كل دول العالم ، التي تستعين دوما بالأجهزة النظامية في أي مشكلة أو أزمة أو حتى كارثة مفاجئة ، وكأن هذه الأجهزة في مصر فقط قد جاءت من كوكب آخر وليسوا من هذا الشعب ، وهو ما يشير بقوة أن هناك مؤامرة محبوكة لصناعة البلبلة وفوضى الفكر والولاء ، بل وإصرارا على جر هذا الشعب للوقوع مرة أخرى في شرك الربيع العبري ، ويساعدهم وجود كما ضخما من الجهل والحماقة والافتقار للقيم والأخلاق قد تسربت لثقافة الكثيرين من هذا الشعب .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
