لا يمكن أن تنسى ذكريات طفولتك مهما كانت متعبة أو غير سعيدة كما تعتقد أحيانا أو تدعي طلبا للتعاطف والود من البعض ، وكلنا هذا الإنسان أحيانا ، خاصة عندما نقيس أحوالنا مع من هم أفضل منا رزقا ومالا وحالا ، وهكذا اعتاد الإنسان رغم أنه في كل الأديان السماوية وغير السماوية تجد من ينصح الإنسان ويوصيه بأن ينظر فقط لمن هم أقل منه ويحمد ويشكر ربه أو حظه تبعا لدينه ومعتقداته ، ولكل دين مراسمه ومواسمه ونفحاته ، إلا أن رمضان له طابعه الخاص ورونقه وعبقه ومراسمه وطقوسه عبر التاريخ خاصة في مصر وفي قاهرة المعز على وجه الخصوص ، ورغم أن لكل زمن معطياته والتي تعني مواصفاته بكل مميزاته وعيوبه ، إلا أن هناك زمنا وسطا ما بين عصر المماليك والأتراك وما وصلنا له في أيامنا الحالية عاصرنا فيه نحن جيل الوسط كثيرا من عبق الماضي بقيمه وأصوله وبعضا من ملامح الجديد والتطور ، واستمتعنا فيه بأصالة النفوس وتجلياتها ، والتي أفرزت للدنيا نجوم خالدة في العلم والأدب والفن مثل مصطفى مشرفة ونبوية موسى والسيد بدير وأم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم والعقاد وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وزكي نجيب محمود وغيرهم كثير .
ورمضان كما عرفته في زمن " مضى ولن يعود " أو أحسبه كذلك ، كان عبقه ساحرا ليس بكل معان الكلمة فقط ولكن بكل أحاسيس وروائح ومرائي ومسامع ومعان الكلمات وحروفها ، فرمضان كان له طقوس خالدة تفرض نفسها على البيوت ، ويبدأ الاستعداد له بعد عيد الأضحى مباشرة ، حيث تبدأ الأسر في تجديد مخزونها " ذخيرتها " من الطيور التي تربيها فوق أسطح بيوتها أو مناورها ، والتي تم استهلاك معظمها خلال رمضان والأعياد المنصرمة ، كما تبدأ الأم في حساب وتجديد وتدبير مخزونات البيت تبعا للموسم ونوعيات الحصاد في حينها ، والتي تبدأ بمجموعة المخزونات السنوية المقدسة من المخلللات وأشهرها الليمون والزيتون والخيار والفلفل والجزر واللفت ، ثم الأجبان بأنواعها بيضاء وقديمة ومطبوخة ورومي ، ثم فصيلة المعلقات كالثوم والبصل واللحوم المقددة والباردة كالبسطرمة ، ولا تنسى سيدي جواهر الكشك التي تحتاج لشراكة عائلية في تصنيعه ، ثم مجموعة الخضروات المنشفة كالبامية والملوخية الناشفة المكرمة واللوبيا والبسلة ، ثم الصلصة والعسل بنوعيه والمربات بأنواعها وأشهرها التين والجزر والنارنج والفراولة ثم الحبوب الرئيسية كالفريك والأرز والقمح والفول والعدس والسكر والملح والدقيق بأنواعه والذرة البيضاء والصفراء ، ثم المصنوعات المخبوزة كالشعرية والمفروكة والفايش و(الزلوط في الصعيد الأعلى) والبتاو الفلاحي ، ثم التوابل الأساسية خاصة الكمون والزعتر والقرنفل والشطة والفلفل الأسود والكركم ، ثم المشروبات كالبن والقرفة والزنجبيل والنعناع والينسون والشيح والشمر والكراوية والحلبة والكاكاو والسحلب ، ثم بعض البقوليات كاللوبيا والفاصوليا ، ثم مخزونات رمضان والتي غالبا يتم تصنيعها مثل قمر الدين والتين وبعض المجففات كالزبيب والبلح بأنواعه تبعا لمواسم ظهوره ، حتى أنه كان يذكر وتقاس مهارة ربة البيت فقط بعدد الشهور زيادة عن السنة (الحول) والتي تستطيع الأم توفير الطعام لأهل البيت دون أن تشتري شيئا من خارج البيت مطلقا ، ثم يزاد على كل هذا قبل دخول الشهر الكريم ببعض الياميش والمكسرات التي لم تستطع الأم أن تخزنها والتي يتم استيرادها ولا توجد فاكهتها في مصر .
حتى إذا أهلنا رمضان فأول ما يحتل مطبخ سيدات البيوت ورباته المصونات هو " دماسة الفول " و " حلة الزبادي" ، فلا يشتري الفول والزبادي في رمضان من الخارج إلا أصحاب البيوت الغير أصيلة (الغرباء والمهجرين) أو التي تديرها سيدة قليلة الخبرة عديمة الحكمة قليلة الحيلة ، ويبدأ يوم الأم في رمضان صباحا بنظافة البيت بمساعدة كل أولادها الصبيان قبل البنات والذين لم يذهبوا للمدارس ، ثم يذهب من عليه الدور من الأولاد ليشتري الخضروات الطازجة من السوق ، وتقوم الأم ومعها أكبر البنات بمهمة العجين للخبز الطازج اليومي ، والذي يتم خبزه يوميا لإفطار وسحور اليوم سواء بواسطة فرن البوتاجاز أو فرن المحروقات فوق السطوح ، والذي يتم إشعاله قبل آذان العصر حتى ينتهون من تسوية الخبز وصواني وطواجن الطعام وصواني الكيك والبسبوسة والكنافة في موعدها ، وقد يفضل تسوية الكنافة على الموقد " الوابور " أو البوتاجاز لو كانت ربة البيت محترفة وماهرة ، وتعرف متطلبات كل صنف ومستلزماته ومتعلقاته التي يتم إعدادها بالتزامن الموقوت وبالترتيب الواعي حتى لا يسقط شيئا أو يتأخر عن موعده قبل آذان المغرب ، وما أروع أن يكون البيت " بيت عائلة " يضم الجدة ومعها زوجات أبناءها وبعض بناتها يساعدن بعضهن البعض في كل شيء تحت إشرافها ، ويستمتع جميع الأبناء بروح وطقوس العائلة الكبيرة ، ناهيك عن جلسات السمر للعائلة والأبناء حيث لا تعرف فارقا بين الأخ وابن العم أو ابن العمة أو الخالة فكلهم أخوة وأخوات والكل يعرف أن للسلطة في العائلة درجات ، ولكل درجة احترامها وحقوقها وعليها واجباتها ، وفانوس رمضان هو واجب العم الفلاني لكل الأطفال هذا العام ، والكنافة والقطايف هي واجب بالدور على رجال البيت بتكليف من الجد طوال رمضان ، والطرشي واجب مستديم لفلان ، وملابس العيد هي هدية الجد لكل الأبناء والبنات والأحفاد ، والعيدية تقبضها مرات ومرات من الأعمام والعمات والخلان والخالات وأروعهم جميعا عيدية الجد والجدة المقدسة بكل جلالها واحترامها ، فضلا عن قبلات تضعها غالية على أياديهما الكريمة والغالية تساوي قدورا من الحب والكرامة والاعتزاز لبقية عمرك .
هكذا كان عبق رمضان ورائحته ونسماته وأجوائه وطقوسه في بيوتنا قديما قبل أن يغزو " الدليفري و التيك أواي " كل شيء ويخترقه بلا حدود أو استئذان حتى وصل إلى غرف النوم في زمن الواتس آب ، وهكذا كانت نساءنا وسيدات البيوت المصونات في زمن الراديو ، حيث كان الراديو الموبيليا الضخم والموروث عن جدي هو البطل المغوار لكل معان التطور والوجاهة والثقافة والفكر ، رغم أنه كان يستغرق أكثر من عشر دقائق حتى تسخن لمباته الداخلية ويبدأ في استقبال الإرسال بوضوح ، ورغم كل هذا فقد كانت عبار "هنا القاهرة" كفيلة بأن تفرض الصمت المطبق على الحاضرين حول الراديو ، حتى ولو كانوا في قهوة الشعب أو المحطة أو أمام محل عمك زغلول الحلاق ، والراديو في رمضان كان هو السيد المطاع والنجم اللامع المسطاع ، فالناس يلتفون حوله ما دام صوته يتردد عبر اهتزازات سماعات شبكة صدره المكرم وما دامت لمباته الكريمة مضاءة بنورها الأصفر أو الأزرق السحري ، بداية من قرآن المغرب بصوت الساحر محمد رفعت والذي يليه صوت مدفع الإفطار وبعده آذان المغرب بصوته الرائع ، ثم تواشيح الإفطار والتي يليها مباشرة فوازير رمضان المسموعة بصوت آمال فهمي أو سامية صادق ، أو بصوت إيناس جوهر في الشرق الأوسط ، وغالبا ما تكون في مقاطع أو رباعيات زجلية أو شعرية ، ثم يليها التمثيلية المسلسلة والتي غالبا ما تكون تاريخية شعبية ثم يليها "سيد مع حرمه في رمضان" والتي ظلت تذاع وتتكرر لأكثر من ثلاثين سنة ، ثم نتابع "ألف ليلة وليلة" بعد صلاة العشاء ، ثم نلتقي بالقرآن المجود في الثامنة ويليها نشرة الأخبار بصوت رخيم قوي ومسيطر مثل جلال معوض ومؤخرا باشتراك بعض السيدات ، وتستمر السهرة متنوعة حتى نصل لمشارف السحور فيزلزل المسامع والقلوب برنامج " أحسن القصص " والذي يقص بعضا من قصص الأنبياء طوال الشهر الكريم والذي يسلمنا لمدفع الإمساك ثم لصلاة الفجر من مسجد الإمام الحسين .
رمضان كان وما يزال له رونقه وعبقه رغم الاختلافات الخطيرة والكبيرة التي استجدت عبر السنوات القليلة الماضية خاصة بعد ظهور الفضائيات وسقوط البشر ضحايا أعاصير الدراما والكوميديا والبرامج وافتكاسات المهووسين والموتورين ، ومن دمروا معالم النفوس من الأخلاق والقيم وعصفوا بكل شيء بداية من الحياء الذي تم اجتثاثه جذوره من نفوس النساء والبنات حتى أصبح وجوده دليلا على الخيبة والضعف والتخلف ، ومرورا بالأدب التي تبخر من عقول ونفوس وبديهيات حياة البشر حتى اعتدنا أن نسمع سبابا منحطا وألفاظا خادشة لحياء الرجال تخرج من فم إناث مثيرة الشكل والمظهر والملابس والحركات مدعية كذبا بعضا من الرقي أو الرقة أو هكذا يرى البعض ، وانتهاء بالسيولة الفنية التي اجتاحت الوسط الفني والإعلامي وظهرت على سطح إعلاناتنا التي تدعو بمنتهى البراءة والبساطة لتفجير براكين الغرام والعشق بين أي رجل وأية أنثى كيفما ووقتما تصادف أو شاءوا دون أي اعتبار لأي قيم متزمتة أومتحجرة سواءا كانت اجتماعية أو دينية ، حتى أنني كثيرا ما أضطر استجابة لتربيتي المتزمتة وأخلاقياتي الرجعية المتخلفة أن أغلق هذا الجهاز الفاسد المفسد بلا أدنى تفكير أو تردد ، مستغفرا ربي مرارا وتكرارا خاصة في رمضان ، حيث العقوبات مثل الحسنات مضاعفة ومشددة .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر