ربما يكون غريبا على بعض الناس أن يعلم فجأة .. أنه عاش عمره كاملا مصدقا لضلالات مقدسة باسم الدين ، وذنبه أنه أسلم فهمه لغيره ممن يطلقون عليهم "علماء أوائل" أصحاب الكتب الصفراء ، ولم يستخدم عقله ليعي أو يفهم أو يدرك حقائق خلقه ووجوده على الأرض ، وكما قلنا سابقا " أن الإنسان قد استمرأ (استعسل) أن تستدرجه معتقداته الشخصية المبنية على تخيلاته وظنونه وأهوائه للوقوع في الضلال والبهتان الذي يصبح بالاعتياد عبر السنوات وتوارث الأجيال أعرافا وتقاليدا أقوى من أية حقائق أو قيم حتى لو كانت سماوية " ، ومما لاشك فيه أن المفاهيم الأساسية للحياة طبقا لناموس الخالق الأعظم قد تم تزويرها كاملة ، ولم يبق منها إلا قشورا أو أطلالا تحولت إلى أساطير لا قيمة لها ، بدليل فشل البشر في الإلتقاء على كلمة سواء بينهم ، وهو ما أدى لفشل التعاون والتعايش السلمي لخير البشرية ، وأدى لتعصب كل مجتمع وشعب وأمة لمعتقداتها وضلالاتها وأوهامها الخاصة المتوارثة .
ويعد ثاني المفاهيم بعد "الدين" والتي فسد مفهومها تماما وأصبحت من المعضلات التي تستوجب استخدام العقل لمعرفة حقيقتها هي "الغاية من خلق الله للإنسان" ، ورغم أننا جميعا تعلمنا أن الله خلقنا جميعا لنعبده لقوله تعالى .. {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }الذاريات56 ، وتلك حقيقة مطلقة لا جدال فيها ولكن الإجابة هكذا (للعبادة) هي مجرد عنوان ، لأن الأهم هو كيفية العبادة ، أو كيف نعبده ، بمعنى أبسط كيف نؤدي مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها ، والخطير أن العلماء الأقدمون علمونا أن العبادات هي نفسها التي سماها الله في القرآن بالفروض والمناسك والشعائر ، والأخطر أن خراف البشرية جميعا صدقوا هذه الأكذوبة الشيطانية المدمرة ، ولم يسألوا أنفسهم لماذا لم يسمي الله المناسك والفروض بـ "العبادات" ، ومن سماها بالعبادات ولماذا ؟ ، وما هي العبادات الحقيقية .
العبادة .. هي أداء مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها .. والتي استحق عليها الإنسان أن تسجد له الملائكة وتدعو له وتستغفر له وتسخر لحفظه ، والملائكة هم أفضل وأقرب خلق الله إلى الله ، فالمهمة التي خلق الله من أجلها "بني آدم" هي مهمة جليلة وعظيمة ، ومؤكد هي ليست أداء مناسك وشعائر للتقرب من الله ، لأن الله ذكرها قبل خلقه لأدم بقوله تعالى .. {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ..}البقرة30 ، والخليفة هو من يستخلفه (مالك الملك) وصاحب الأمر لينوب عنه في إعمار مكان معين في زمن محدد ، وكذلك ذكر الله بها بني آدم بعد خلقهم واستقرارهم على الأرض بقوله تعالى .. {.. هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فيها .. }هود61 ، واستعمركم بمعنى كلفكم بمهمة إعمار الأرض كخلفاء لله عليها كما أوضح سبحانه من قبل ، وتلك هي مهمة العبودية والتي أدائها تسمى بالعبادة ، وبالتالي فكل عمل أو قول يصلح الأرض ويعمرها .. فهو من العبادات ، ولا شيء سواها ، وبالتالي لو عدنا لمتابعة آيات الصلاة والزكاة والصيام والحج وذكر الله ، لوجدنا أن الله سبحانه سماها فروضا ومناسك وشعائر وقد ألزم الخالق بها عبيده ، فقط .. ليستقيموا في أداء المهمة التي خلقهم من أجلها ، وذلك لأن ابن آدم ضعيف وهلوع جزوع وظلوم جهول ، وخالقه وحده هو من يعلم أنه لن يستقيم إلا لو أدى هذه الفروض والمناسك ، وسبحانه وضح له هذا في مواضع عديدة في قرآنه العظيم ، مثل قوله تعالى .. {.. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ }العنكبوت45 ، وأكد على ذلك رسوله بقوله .. { من لم تنهاه صلاته فلا صلاة له } ففائدة الصلاة وذكر الله أنهما يمنعان الإنسان عن الفواحش والمنكرات ، ثم أوضح فائدة الصيام والزكاة بقوله تعالى .. { لعلكم تتقون } ، وأوضح فائدة الحج بقوله تعالى .. {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ }الحج32 ، فالحج الخالص المبرور يؤكد تقوى القلوب التي يستقر فيها الإيمان .
وبالتالي .. فتارك الفروض والمناسك متعمدا "مثل من يقول أنه قادر على الاستقامة بلا صلاة" ، هو في حقيقته "كافر بقيومية الله عليه" مثل إبليس الذي رأى أنه يعلم عن نفسه أكثر من خالقه سبحانه وتعالى ، وكذلك فالمهمل في إعمار الأرض متعمدا فهو أيضا "كافر بقيومية الله عليه" كإبليس ، وأما المفسد في الأرض فهو أشد عداوة لله من تارك الصلاة ومهمل الإعمار للأرض ، لأن الله خلق الإنسان ليعمرها ، فإذا أفسد فيها فقد أعلن الحرب على الله ، ولذلك أعد له عقابين مريرين في الدنيا أولهم العذاب والقتل وثايهما الخزي في الدنيا ، ثم أضاف لهما عذابا عظيما في الآخرة ، وهو ما فصله سبحانه وتعالى في قوله .. {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }المائدة33 ، وهو عقاب ثلاثي مضاعف لم يقرره الله لمرتكب أي خطيئة مهما كانت من الكبائر في الدنيا ، لأن الإفساد في الأرض اعتبرها الخالق العظيم هي كبرى الكبائر التي يرتكبها المخلوق لإعمار الأرض .
ولو تأملنا قليلا في ناموس الله في خلقه لاكتشفنا قمة الإعجاز في عدل الله بين خلقه ، حيث جعل سبحانه مهمة الإعمار وهي (العبادات الحقيقية) فطرية ومتاحة وميسرة بل ومحببة لكل النفوس البشرية مؤمنها ومشركها وكافرها وملحدها بمختلف جنسياتهم وألوانهم ، فكل البشر تحب التزاوج والإنجاب أيا كان شكله وتراتيبه ، وهو أبسط مهام الإعمار للأرض وأخطرها في نفس الوقت ، لأنها يستتبعها إعمار الدنيا للأجيال الجديدة ، وبالتالي يتم تنفيذ مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها بمقتضيات الحياة ومتطلباتها ومتوافقة مع شهوات ورغبات النفوس البشرية ، ولا يبقى لهذا المخلوق المستخلف إلا أن يؤمن أن للكون إلها واحدا سوف يحاسبه بعد موته ، فمن آمن في أي مرحلة من حياته بذلك فهو كما يقول عنه ربه دوما (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) .
ولا شك أن من يؤمن أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق الأعظم ولا إله سواه ، وأنه سبحانه محاسبه بعد موته ، فسوف يرتقي الهدف من حياته من إعماره للأرض كغريزة فطرية "مثل الحيوانات" إلى هدف أسمى وأرقى كخليفة لله لنيل رضاه ، فهو يتحول من مرتبة العبودية إلى مرتبة العُبًاد ، لأن العابد بإرادته يؤدي مهمة العبودية مختارا خاضعا لله تعالى ، بخلاف العبد الذي يؤدي المهمة مسخرا لأدائها وهو لا يدري ، وذلك هو الفارق الكبير بين العُبًاد (بتشديد الدال) والعبيد ، فالعُبًاد يقول فيهم خالقهم العظيم ( والله رؤوف بالعباد) ، ويصفهم في قوله تعالى .. {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً }الفرقان63 ، ولو ركزنا وأعملنا الفكر والتأمل في آيات الله لاكتشفنا الفارق بين ثلاثة فئات في الدنيا هم العبيد والعِبَاد والعُبًاد ، وهو فارق في درجات الإيمان ارتقاءً وسمواً وجلالاً ، وذلك بداية من أحط الدرجات وهي درجة العبيد التي تنفذ مهامها التي خلقت من أجلها وهي لا تدري وبلا إرادة وكذلك أصحاب المفاهيم المزورة مثل من يدعون أن "العبادات" هي في أداء المناسك والشعائر وينظرون للإعمار كمهمة ثانوية جانبية ، وهؤلاء يهينهم الله في الدنيا ويجعلهم كغثاء السيل لا قيمة لهم ، وهم من يقول فيهم سبحانه {.. لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ }الأعراف179، ثم نأتي لمرتبة أرقى قليلا وهم "العِبَاد" الذين يعملون ويتعلمون ويكدون لإعمار دنياهم ولكن لحسابهم ومصالحهم تبعا لرؤيتهم مثل معظم خلق الله في العالم من الملحدين والمشركين وهؤلاء أرقى عند الله من "العبيد المزورين" ولذلك يعطيهم في الدنيا كل من يحلمون به ، لأنهم بمجرد الإيمان في أي مرحلة من حياتهم يبدل الله سيئاتهم حسنات ، وربما انتهت حياتهم كالعبيد رغم علمهم وفرصتهم للارتقاء ، وهم ما يتحسر الله عليهم سبحانه في قوله تعالى .. {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون }يس30 ، ثم نصل أخيرا لأرقى مستويات الخلق كما أرادهم ربهم وهم (العُبًاد) الذين يؤدون المهمة (إعمار الأرض) وهم يعلمون ويؤمنون ويخضعون لله في حياتهم حتى يلقوه ، وهؤلاء يفتح الله عليهم من علمه وبركاته كيفما شاء ، مثلما فتح الله على المسلمين الأوائل الذين منحهم الله اكتشاف كل أسرار العلوم التي نرتع فيها اليوم في أقل من مئتي سنة ، فنقلوا البشرية وقفزوا بها لمستويات مبهرة ، وهو ما لم تستطع البشرية تكراره مرة أخرى حتى اليوم
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
