لا شك أن الإنسان قد استمرأ (استعسل) أن تستدرجه معتقداته الشخصية المبنية على تخيلاته وظنونه وأهوائه للوقوع في الضلال والبهتان الذي يصبح بالاعتياد عبر السنوات وتوارث الأجيال أعرافا وتقاليدا أقوى من أية حقائق أو قيم حتى لو كانت سماوية ، ومما لاشك فيه أن المفاهيم الأساسية للحياة طبقا لناموس الخالق الأعظم قد تم تزويرها كاملة ، ولم يبق منها إلا قشورا أو أطلالا تتحول إلى أساطير لا قيمة لها ، بدليل فشل البشر في الإلتقاء على كلمة سواء بينهم ، وهو ما أدى لفشل التعاون والتعايش السلمي لخير البشرية ، وأدى لتعصب كل مجتمع وشعب وأمة لمعتقداتها وضلالاتها وأوهامها الخاصة المتوارثة ، وهو ما جعل البشر على الكرة الأرضية اليوم ينقسمون لأكثر من ألف ملة ومذهب ودين ، ويتعصب كل فئة لمعتقداتهم التي تتغير مفاهيمها وقيمها تبعا لأهوائهم وخيالاتهم ، والتي أوقعتهم في قاع الغواية والضلال ، وهو تماما ما أقسم عليه إبليس لرب العالمين بقوله .. {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }ص82 ، ويعتبر قمة نجاح إبليس ومدخله الرئيسي لتفتيت وتشتيت البشر هو نجاحه الباهر في إقناع البشر بعدم وجوده أو انعدام تأثيراته عليهم ، وهو ما أطلق العنان لضلالات وبهتان البشر المبنية على الأهواء والشهوات مثل رغبة كل إنسان أو فئة أو شعب أن يكون هو صاحب الحظوة وحده لدى القوة العليا بداية من الوالدين وانتهاء بالخالق العظيم .
وذلك ما جعل اليهود يرون ويدعون أنهم شعب الله المختار والمستحقين لعناية الله ورعايته والسيادة على كل البشر ، وبالتالي فكل صنوف البشر غيرهم هم "الأغيار" ، وأنهم حيوانات خلقهم الله لخدمة اليهود في الدنيا ، ومستحلة أموالهم وأعراضهم ونفوسهم ، ولا أمل لهؤلاء في دخول الجنة ، ثم انقسموا لفرق وجماعات تكفر بعضها بعضا .
وهي نفس الضلالات التي جعلت المسيحيين في العالم يؤمنون بأنهم وحدهم عيال الرب وأحبائه ، ولن يدخل الجنة إلا من آمن أن المسيح مخلصه من الخطايا وعلى رأسها خطيئة آدم الكبرى التي يتحملها كل البشر حتى يومنا هذا ، وأن المسيح هو الرب وثالث الثالوث المقدس للإلوهية ، وهو ما جعلهم أيضا ينقسمون لأكثر من ستون فرقة وجماعة على رأسها الكاثوليك والأورثوذكس والبروتستانت والإنجيليون وجميعهم يفسق أو يشلح أو يكفر بعضها بعضا أيضا .
وهي نفس الضلالات التي جعلت المسلمين في العالم يؤمنون أنهم وحدهم أولياء الله وأحباؤه ولن يدخل الجنة إلا من آمن أن محمد رسول الله ، ثم جعلتهم يختلفون في فهم الحدود والفروض فينقسمون لثلاثة فرق رئيسية (السنية – الشيعة – الصوفية) ثم تشعبوا لأكثر من سبعين فرقة تكفر بعضها بعضا .
وهي نفس الضلالات التي جعلت أتباع بوذا ينقسمون لآلاف الأديان والملل الملحدة والمشركة ، ولكنهم في النهاية يرون الهدف من حياتهم هو الحياة نفسها بقدور الاستمتاع بها ، ويتفشى بينهم أقوالا مأثورة أشهرها على الإطلاق قولهم (My GOD is my Pocket) بمعنى (ربي هو ما في جيبي) ، وبرون أن غيرهم هم أغبياء يهلكون أنفسهم باتباع السراب وما لا ينفع البشرية .
ولا شك أن احتراف هذا التكرار الخطير لنفس البهتان النفسي المتفشي بين الشعوب والأمم أكبر دليل على تزوير المفاهيم الأساسية للحياة والهدف منها ، والتي هي مراد الخالق العظيم من خلق البشر على الأرض ، وهو ما لا يتعرض له المفكرون وأصحاب الرأي والتأمل إلا بكل تعصب وانحياز للأساطير الدينية أو المجتمعية التي توارثوها في بيئاتهم ومجتمعاتهم وصولا للأسرة وقيمها المتوارثة عبر الأجيال ، خاصة لو رأينا أن كثيرا من أصحاب هذه الانتماءات والملل والمذاهب يغير دينه أو ملته أو يهملها كاملة في بعض مراحل حياته طواعية ودون ندم أو عودة .
ولا شك أيضا أن تزوير المفاهيم الرئيسية هي الأساس الخطير لكل ما تم تزويره من المفاهيم الإنسانية والتي أدت بالإنسانية لهذا التردي والانحطاط الحضاري في شقيه سواء "النفسي والأخلاقي" أو "التطور العلمي والمادي" ، وهنا لابد وأن نذكر أن التطور النفسي والأخلاقي قد بلغ أعلى مستوياته في عهد سيادة الحضار الإسلامية التي علمت الدنيا تكوين الدول وإدارتها والقيم الإنسانية والأخلاقية ، كما ارتقت بالمستويات العلمية للبشرية لأرقى مستوياتها حتى أن المصفوفات الخوازمية وتطبيقاتها ما زالت حتى اليوم هي أحدث ما تم اكتشافه في عالم الرياضيات والمنطق والذكاء الآلي ، وكذلك أيضا في شتى العلوم البحتة ، ولكن كراهية غير المسلمين لتقدم المسلمين دفعتهم للتآمر عليهم وعرقلة تقدمهم بأي ثمن ، وهو ما دفعت البشرية ثمنه غاليا ، ليظل أعظم وأحدث ما تم اكتشاف علميا قد توقف عند ما فعله المسلمون وكل ما جاء بعده كان تطبيقات عليه ، وهو ما يحاول الغرب مستميتا أن ينكره أو يطمس معالمه .
ويعد أبرز وأهم المفاهيم التي تم تزويرها تباعا عبر تاريخ البشرية هي أولا "معنى الدين" ، وثانيا "معنى العبادة" ، وثالثا .. معنى الأمانة ، وقد تم تزوير معانيها والمراد بها تماما من أجل تضليل البشرية وإسقاطها مرارا وتكرارا عبر تاريخها الحافل بالرسل والأنبياء من أجل الهداية وإيضاح المفاهيم ، ولا شك أن تزوير هذه المفاهيم قد كان كفيلا بتدمير مسار البشرية وهو ما حدث بالفعل ، وجرها لمسار الخسران المبين في الدنيا ثم عند ربهم بعد مماتهم لو كانوا يؤمنون بوجود حياة ما بعد الموت .
وتعريف الدين (بكسر الدال) في معناه الدارج بين الناس بمنتهى الاختصار والبساطة هو (ما نحن مدينون به لله ) ، أي هي الديون الواجبة السداد لله ، وهو لا يختلف كثيرا عن معنى الكلمة بفتح الدال وهو ما يدين به المرء لغيره من البشر ففي النهاية الكلمة تعني ما على المرء أن يؤدي تبعاته لخالقه الذي يؤمن بوجوده وقدرته ، فالدين بتفسير أكثر تفصيلا ووضوحا ، يعني كل ما يوقن به المرء أو يؤمن به وينتج عنه سلوكه التلقائي في حياته ، وبالتالي لا يصح مطلقا أن يقال فلانا متدينا وغيره ليس متدينا ، لأن لكل إنسان معتقداته وقناعاته ومفاهيمه التي يتصرف تلقائيا تبعا لها في حركة حياته ، وتلك المعتقدات والقناعات هي معنى الدين بكل معانيه ، فكل البشر متدينون لأن لكل منا قناعاته ومفاهيمه عن الحياة وتلك هي دينه ، ولأن البشر جميعا مؤمنهم وكافرهم ومشركهم .. كل منهم يؤمن بمعتقدات معينة ومستويات مختلفة من الإيمان فالكل متدين وله دين يدين له وبه ، فإذا توافقت معتقدات وقناعات إنسان مع ما يأمر به الله ، فهو على دين الله ، أيا كان مسمى دينه أو بيئته أو مجتمعه الذي ولد فيه دون فضل أو اختيار له فيه ، ومن اختلفت قناعاته ومفاهيمه عما يأمر به الله فهو منحرف عن دين الله بقدر اختلافه .
والغريب أن هذا هو معنى الدين الذي بلغه وأكد عليه كل الرسل والأنبياء ونجح البشر في طمسه وتزويره حتى فرضه الله شاهدا عليهم ليوم الدين بما لا يستطيعون تزويره بحفظه لحروف وكلمات وآيات القرآن العظيم ، ليكون حجة عليهم ودليلا على بهاتنهم وضلالهم ، فمعان الدين في القرآن الكريم تختلف تماما عما يعرفه حتى المسلمون أنفسهم ، فالمسلمون يصرون أن الدين عند الله الإسلام تبعا لقوله تعالى .. {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ .. }آل عمران19 ، وهم ظاهريا لديهم كل الحق ، ولكن الكارثة أنهم لا يعرفون معنى الإسلام ، ويحصرون الإسلام فيمن تبع رسولهم فقط ، رغم أن الإسلام بمعناه المجرد أن تسلم نفسك لله (إيمانا به) ، حيث يلزمك هذا الإيمان بالطاعة والولاء والخضوع فتأتمر بأوامر الله وتنتهي عن نواهيه ، وهو معنى الدين في كل الرسالات السماوية منذ آدم وحتى رسالة الخاتم محمد ، وهذا هو الدين عند الله ، فالإسلام هو ما يجب أن يدين به البشر لله طبقا لمراد الله دون التقيد باللفظ وحروفه ، لأن الحروف والألفاظ لا تعد في حكم الله سوى أنها وسيلة فهم للبشر ولا يصح أن تكون وسيلة تفرقة واختلاف وتعصب .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
