هل ضلال البشر .. حرفة أم شهوة (3) … بقلم : جمال عمر

توقفنا من قبل عند حقائق علمية ذكرها الخالق العظيم سبحانه وتعالى عن النفس ، والتي أوضح فيها أن أصل الإنسان هو مجرد نفس واحدة متكاملة ، شطرها سبحانه وتعالى فخلق منها زوجها ، فكان النتاج (نفس ناقصة) تحتاج للتكامل مع نصفها الآخر ، وأن هذا الانتقاص للنفس بالشطر كان لحكمة استمرار الحياة على الأرض ، باستمرار احتياج النفس للتكامل ، وهو سر انجذاب الكل من الذكر والأنثى لبعضهما البعض ، فإذا شاء الله للنفس أن تحيا في الدنيا ، دبر لها تكوين جسد جديد في رحم أنثى بتكاملها مع ذكر ، ثم أنشأ الله النفس في الجسد بعد اكتمال نموه عبر أطوار خلق محددة ، ثم يمنح الله النفس فترة تدريب على استخدام الجسد الجيد في رحم الأم ، لخمسة شهور كاملة ، ثم في رعاية لصيقة بالأم حتى فطامه ، ثم في رعاية مجاورة حتى بلوغه ، ليتم تهذيب النفس وتأقلمها مع الجسد الجديد عبر سنوات ، ولا تستقر النفس مطلقا في الجسد وذلك منذ لحظة دخولها للمرة الأولى في الرحم ، بل لابد أن تغادر الجسد لبعض الوقت ، لتسمح للجسد أن يعيد صيانته وإصلاح ما تلف منه بسبب استخدام النفس له .

وعلمنا أن النفس في تواجدها في الجسد ، عبر سنوات عمر الإنسان ، هو تواجد مؤقت (مستودع) ، يزول بانتهاء الأجل وخروج النفس من الجسد بلا عودة ، وعرفنا أن النفس تخرج من الجسد لسببين لا ثالث لهما وهما النوم أو الموت ، فالموت مماثل تماما للنوم ، {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الزمر42 ، مع اختلاف واحد بين النوم والموت ، وهو أن النفس تستطيع العودة للجسد من النوم ، وذلك لكون الجسد ما زال حيا (فيه روح) ، بينما عند الموت لا تستطيع النفس دخول الجسد ، لأن الجسد أصبح (ميتا) لمغادرة الروح التي تحييه له ، ولذلك فالنفس لا تموت ولكنها تذوق آلام خروج الروح من الجسد (تذوق الموت) .. { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } الأنبياء35 ، فسبحانه يتوفى الأنفس عند النوم وعند الموت ، وصححنا أقوال الجاهلين بأن ملك الموت يقبض الأرواح ، فملك الموت موكل بالنفوس ، ولا يمس الروح مخلوقا ولا ملكا ، فهي تتحرك وتدخل وتخرج بأمر الله وحده ، لأن الروح بقرار إلهي (من أمر ربي) .

ونتوقف قليلا لنتذكر أشياء بعينها ، أولها ما معنى التركيز ، وكيف لا تشعر بمن حولك لو كنت غارقا في أمر بعينه ، وكيف تتذكر فجأة شخصا لم يخطر على بالك من قبل ، ثم تجده يدخل عليك فجأة ، وكيف تجد نفسك تنظر خلفك بلا سبب ، فتجد شخصا ينظر إليك ، وكيف تفكر في شيء تكتمه في نفسك ، ثم تجد أحدا غيرك يحدثك عنه ، وكيف تفكر في شخص بعيد عنك وتريد أن تخبره شيئا ، ثم تكتشف بعدها أن الرسالة قد وصلت إليه ، وهو ما يسمونه بالتخاطر ، وكيف ترى رؤيا أو حلما في منامك ، وربما تنساه ولكنك بعد فترة تجد هذه الرؤيا تتحقق بتفاصيلها كاملة ، ولا تستطيع تغيير شيئا فيها ، وأنت مذهولا وتقسم أنك رأيت هذا من قبل ، وكيف تحب أو تكره شخصا لا تعرفه ، ولكنك تفاجأ بأنه يبادلك نفس مشاعرك حبا أو بغضا ، كل هذا وأكثر ليس إلا حركات لنفسك وأنت لا تدري ، ففي حالة تركيزك وأنت مستيقظ أو في حالة سرحان ، تكون نفسك قد خرجت بجزء منها ، وهذا الجزء الذي خرج منك يزيد كلما كانت حالة سرحانك أو تركيزك أكبر ، وتخرج النفس لتتجه لمن تريد أن تراه أو تبلغه شيئا ، فأنت سوف ترى فلانا وهو يتجه لمنزلك أو مكانك ، من خلف الأبواب بواسطة نفسك التي تتجول خارج جسدك ، وكذلك الأم تخرج بجزء كبير من نفسها ، لتبحث عن ولدها الغائب وتطمئن عليه ، وسوف تعرف أخباره وما يحدث له في حينها ، ولكن أحيانا تختلط رؤياها بمشاعرها وخوفها ووسوسة الوسواس الخناس ، فتقد الرؤاي الحقيقية .

أما عن ظاهرة الـ (ديجافو) وهو رؤية الحدث قبل وقوعه ، فهي ظاهرة طبيعية وعادية جدا ، تحدث لكل البشر دون تمييز ، وإن كانت عند البعض أكثر تكرارا لأسباب عديدة متعلقة بطهارة النفس ، ورقتها وصفائها ، وهذه الظاهرة تحدث للنفس أثناء النوم ، عندما يسمح لها سبحانه وتعالى أن ترى أحداثا مستقبلية وهي في طريقها إلى الأرض ، وذلك رحمة من الله بعباده ، حتى يكونوا مستعدين لاستقبال الحدث ، أو يبشرهم بخير آت لهم ليطمئنوا ، ومعنى ذلك أن كل ما يحدث على الأرض حتى الكلمات التي تقرأها الآن ، قد قدرها الله سبحانه وكتبها ، ونحن مجبرون عليها ، ونعيشها دون اختيار منا ، (نعم) بمنتهى البساطة ، فسبحانه قدر كل أمور الدنيا ، وينزلها لتحدث في الوقت والموعد والمكان الذي حدده سبحانه ، ولذلك يقول سبحانه (آتى أمر الله فلا تستعجلوه) ، ثم يفسر سبحانه معنى ذلك في سورة السجدة بقوله تعالى { يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ } السجدة5 ، فلحظة ولادتك قد قدرها الله صوتا وصورة حية ، قبل لحظة حدوثها بـ (500) خمسمائة سنة ، وتحمله ملائكة التبليغ صوتا وصورة حيا نزولا من الإمام المبين ـ إلى الدنيا ، ثم يعاد صعوده ليبلغ تمام الحدوث في رحلة صعود قدرها (500) خمسمائة سنة أخرى ، فتكون دورة الأمر (الحدث) تساوي ألف سنة بحسابنا على الأرض .

وهنا نتوقف طويلا لنجيب على السؤال الأخطر والأهم ، إذا كان الله قد كتب علينا أو نقول ونفعل كل ما يصدر منا ، فكيف يحاسبنا عليه ؟؟؟ ، ونحن ممثلون نعيد تنفيذ مسلسل متصل كتبه وقدره وصوره الخالق العظيم ، والإجابة بسيطة يقولها سبحانه ،  { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } المدثر38 ، بمعنى أن الله يحاسبنا على تكسبه نفوسنا ، والنفوس لا تملك إلا النوايا والخيالات والظنون ، ولذلك يقول صلوات ربي وسلامه عليه ، ( إنما الأعمال بالنيات ، ولكل امريء ما نوى ) ، فنحن نحاسب على النوايا وما تضمره النفوس ، ولذلك من الحماقة والغباء أن تقلد بشرا في معصية أو خطيئة ، لأنك لا تعرف نواياه عندما ارتكب الخطيئة ، وربما يغفرها الله له وربما يكتبها له حسنة ، ولكنك تعمدت تقليده ، فأحاطت بك خطيئتك ، فتكون سببا في خلودك في جهنم ، ﴿ بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ البقرة 81 ، فنحن لا نملك إلا النوايا ، ولذلك يقول لنا سبحانه .. { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا} الكهف23 ، بل ويقول لنا سبحانه في مواضع الحساب .. {للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } البقرة284 ، ولذلك فلنحذر مما نتخيله من شهواتنا ورغباتنا ، لأن الله محاسبنا عليه .

 ولأن كل شيء مقدر ومكتوب حتى نصيبك من هواء التنفس ، وكلماتك التي تظن أنها خرجت من وحي ذكائك وفهمك الألمعي كلها كتوبة عليك ، فسبحانه يوصي ابن آدم ألا يبالغ في فرحته أو حزنه أو غضبه ، فكله مكتوب ومقدر فيقول سبحانه .. { لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم } الحديد23 ، فكل ما يحدث على الدنيا مقدر ومكتوب ، وأنت محاسب على نواياك فيه فقط ، لأن كل ما يحدث هو مقدرات ومعطيات اختبارات لك في الدنيا ، فكل أحداث الدنيا وكل معطيات الله لكل عباده ، هي مجرد مواد وأسئلة اختبارت متصلة حتى نهاية الأجل ، ولذلك يقول لنا سبحانه .. { ليبلوكم في ما آتاكم } الأنعام165 ، فالابتلاء هنا ليس كما اعتدنا فهمه في لغتنا العامية بأنه بلاء ولكنه الاختبار ، ولذلك كما نقول دوما ، أن الكبد المكتوب على الإنسان في الدنيا ، يمكنك أن تجعله مصدر سعادة ومتعة ، بأن تختار أن يكون كبدك عملا وسعيا لإعمار الأرض وإصلاح حال الدنيا من حولك ، فيكون كبدك في تعبك ومشقة الكدح والسعي ، وعدم تقدير البشر من حولك لك ، ولكنك تهرب من الكبد المؤلم بالمرض والهم والغم ، وهو كبد الكسالى والباحثين عن الراحة والمتع ،  والحمقى المهتمين دوما بما يكسبوه من الدنيا والناس ، وأصحاب (الأنا) والكرامة والذات ، ومن يظنون أن الله خلقهم وميزهم بأية معطيات في الدنيا كالمال والجمال والحسب والسلطة والقوة ، وكلها لم تأتيه لكرامته على الله ولا لأنه يستحقها ولكنها مجرد معطيات اختبار سيحاسب عليها حسابا عسيرا .

وهنا نتوقف أيضا قليلا عن غباء التمييز العنصري لدى كثير من الناس ، وعلى رأسها التمييز العنصري بين الذكر والأنثى ، ففي كل حضارات الأرض قديما وحديثا (إلا ما رحم ربي) ، يفضلون أن يكون المولد الجديد ذكرا وليس أنثى ، بل ويمارس كثير من الرجال والنساء أيضا العنصرية ضد النساء والبنات ، لدرجة أن تجارة الرقيق الأبيض أصبحت متفشية في دول الغرب المتقدم بشراسة ، وأصبحت النساء والبنات سلعة ، بل ولها أكبر سوق تجاري في العالم ، وهذه العنصرية ناتجة عن جهل متأصل في نفوس البشر ، عن حقيقة خلق النفس وحركة حياتها حتى يوم القيامة ، وهنا لابد أن نعلم حقائق غابت عنا ، وأولها أن كل نفس تصلح أن تدخل في جسد (ذكر) ، كما تصلح أن تدخل في جسد (أنثى) ، فلا فرق بين النفوس ، سوى أن النفس تتأقلم مع طبيعة الجسد وهرموناته وتركيباته واختلافاتها ، كما شاء لها الله أن تكون ، ولكن لا يجوز للإنسان العبث في جسده ، ولا يجوز له أن يشوه استخدامه لجسده بخلاف ما أمره الله به ، فجسدك أمانة لديك سوف يحاسبك الله عليها ، ويجب أن تعلم عزيزي الإنسان أن وجودك اليوم واختبار الله لك في جسد أنثى مثلا ، معناه أنك قد تم اختبارك في جسد (ذكر) ، أو سوف يعاد اختبارك في جسد (ذكر) ، فدخولك الدنيا متعدد ، وسوف يختبرك الله في مختلف أنواع وأشكال الاختبارات في الدنيا ، حتى تأتيه يوم القيامة وليس لك على الله حجة .

كيف هذا ؟؟؟؟؟؟؟ … ، ألم تعلم أن الله وصف رحلة النفوس تفصيلا في كتابه العزيز ، ولكن علماؤنا ومفسرينا الأفاضل ضلوا ولم يتدبروا آيات الله المفصلات ، واسمع معي قول الله تعالى في لحظة الموت لبان آدم ، { نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ، عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ } الواقعة 60 – 62  ، فسبحانه خلق النفوس وأعلم بها منها بنفسها ، فيقول لها وهي تموت ، لا تشغلوا أنفسكم بمن سوف تغادرونهم ، فسوف نستبدلكم بغيركم ، ثم يقول للنفس التي سوف تسأل ، وإلى أين سأذهب ، أنه سبحانه سوف ينشيء النفس بعد خروجها من هذا الجسد في نشأة جديدة ، وقبل أن تسأل النفس عن طبيعة النشأة ، يجيبها سبحانه ، بأنها نشأة مثل التي تخرجون منها الآن ، وأنتم تعرفونها لو تذكرتم ما تعرفونه عن النشأة ، والتي يرونها يوميا بالميلاد لطفل جديد ، وهي النشأة التي حدثهم عنها في سورة المؤمنون بقوله تعالى .. { ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } المؤمنون14 ، وهل معنى ذلك أن هناك نشأة أخرى ، نعم وهو قاله سبحانه وتعالى ..{  وأن عليه النشأة الأخرى } النجم47 ، وهي ليست نشأة يوم القيامة التي يقول عنها سبحانه .. { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ، إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } العنكبوت20.

وهل معنى ذلك أن الله يعيد الخلق مرات ومرات ولماذا ؟؟؟ ، نعم يعيد الله الخلق للدنيا وهو قوله تعالى في ستة آيات متفرقات في كتاب الله ، ويقول في سبب الإعادة .. ﴿ إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ﴾ يونس4 ، فالسبب بسيط (ليجزي آمنوا بالقسط) ، والقسط هو تدقيق العدل ، بمعنى أن يتيح لكل إنسان فرصه العادلة بالاختبار في مختلف أنواع المعطيات ، كرجل وأنثى وغني وفقير وجميل وقبيح ومسلم وكافر ومشرك ومؤمن ، فلا يكون لديه حجة عند الله أنه لم يختبره في أحد صور الاختبارات الأخرى ، خاصة وأن ابن آدم كثير الجدال في الدنيا لقوله تعالى .. { .. وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا } الكهف54 ، بل وسوف يجادل عن نفسه يوم القيامة لقوله تعالى .. { يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} النحل111 ،  .

وبالتالي فمن مختلف آيات الله في كتابه العزيز ، نجد أن النفس لها رحلة اختبارات محددة حتى يوم القيامة ، بل ولها أجلين ، الأول أجلها الذي نحسبه بالسنوات في الدنيا ، والثاني هو أجلها المسمى عند الله ، وهو مجموع الآجال التي سوف يحيا من خلالها على الأرض ليستكمل اختباراته ، وفي هذا يقول سبحانه .. { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ } الأنعام2 ، ويشير سبحانه لهذا الأجل المسمى ليكذب القائلين بأن الحياة هي مرة واحدة فقط وذلك بقوله تعالى .. { يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } نوح4 ، فأجل النفس المسمى وهو مجموع الآجال التي سوف يحيا من خلالها على الأرض ليستكمل اختباراته ، ولذلك فالشهداء والصديقون يسميهم سبحانه بـ (السابقون) ، لأنهم قد سبقوا باقي البشر فأنهوا رحلة اختباراتهم قبل الأخرين ، الذين سوف يكملون رحلة الاختبارات بحيوات مختلفة المعطيات ، حتى يأتي ربه يوم القيامة وليس له على الله حجة في أنه لم يختبر مثل غيره ، ولذلك فلا محل للعجب من موت طفل أو شاب ، فموته هو انقضاء لأجل احد خيواته ، وسوف يعود ليكمل أجله المسمى عند الله ، وربما موته المبكر كان تخليصا وسدادا لديون عليه من حياة سابقة ، ثم يرد سبحانه على المشككين في تكرار البعث والحياة في آية معجزة يؤكد فيها أن وسيلة تكرار الحياة تكون عن طريق الإنشاء مرارت ومرات بواسطة الأرحام ، فيقول سبحانه .. { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ…. } الحج5 ، ثم يوضح سبحانه سبب تأجيل حساب الفاسقين بأنه قد سبق فيهم كلمة الحق بحسابهم بعد أجلهم المسمى يقول سبحانه .. { .. وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ.. } الشورى14 .

وبالتالي فلا تدخل النفوس في قبور ولا تستقر مع الجسد الميت كما تقول الأساطير المضللة ، بل ولا تعود النفس إلى جسد غادرته مطلقا ، لأن الجسد هو من معطيات الاختبار المنهتي بانتهاء الأجل معه ، ولا وجود لما يسمونه حياة البرزخ ، لأن البرزخ هو قوانين الفصل بين الموجودات ، ولا وجود لحياة القبور ونعيم وعذاب القبر ، والذي استقاه البشر من أساطير بابل وتحديدا من أسطورة عشتاروت ، آلهة الخصوبة التي دفنت عشيقها الإنسي لخيانته لها مع إنسية ، وسلطت عليه الثعبان الأقرع الشجاع ، وعفريت يضربه على رأسه فيهوي في الأرض سبعين خريفا ، وهي تماما نفس تفاصيل أسطورة عذاب القبر لدى المسلمين مع تصرف بوضع أسباب لألوان العذاب ، أو النعيم ، وكلها أكاذيب بأحاديث موضوعة كاذبة ، لأنها تخالف آيات الله تعالى في كتابه العزيز ، وما أكثر الضلالات والأساطير التي أصبحت أساسا لإيمان كثير من الناس ، فالبشر هم البشر الذين أخفوا التوراة والإنجيل وكتبوا غيره ، ولكنهم هذه المرة كانوا أكثر كفرا وشركا ، فادعوا ما يخالف آيات الله المحفوظة بأمره ، واخترعوا أديانا مخالفة لدين الله ، وكتبوها في كتب يدعون أنها تفسر آيات الله كذبا وزورا ، { .. فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ } البقرة 79 .

أخيرا .. نكون قد استعرضنا حركة حياة النفس ، وعرفنا أن الأحياء اليوم ما زالوا في رحلة اختباراتهم المتعددة ، والتي من الممكن أن تمتد إلى يوم القيامة ، وتأكدنا أن الله أرحم بعباده من الأم برضيعها ، وبالتالي لا صحة لحياة القبور وعذابها ولا نعيمها ، فحبس النفوس في القبور حتى ولو في نعيم كما يدعون فهو سجن للنفس التي كرمها الله ، وبالتالي فقد صدق الشيخ الشعراوي بقوله (لا عذاب قبل الحساب ولا حساب إلا يوم الحساب) ، وبالتالي عرفنا أن المستفيد الوحيد من أساطير حياة القبور وعذابها قبل يوم الحساب هو إبليس وحده ،  يبقى لنا أن نعرف كيف تعود النفس للدنيا ، وهل هناك نفوس لا تعود ولماذا ؟ ، وهل هناك نفوس تعود للحياة كملحق لحياتهم السابقة لسداد ديون ، ما هي شروط العودة للملحق لسداد الديون ، وماذا سيحدث حتى نصل للحساب ، وكيف سيكون الحساب ، وكيف تسجل علينا نوايانا واقوالنا وأفعالنا رقميا ، وما هي الموازين وما هو الكتاب ، وهل حقا سنظل تحت الشمس الحارقة سبعين ألف سنة في انتظار الحساب كما يقول الجهلاء والمضللون ، وكيف زور البشر حقائق دين الله ولماذا ؟؟ وغيره الكثير مما سوف نستعرضه لاحقا …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

الأنثى العقربوطية …. بقلم : جمال عمر

سامحوني أولا قبل الخوض في هذا الموضوع الشائك ، خاصة وأنه يتعلق أساسا بالأنثى ، …

تعليق واحد

  1. جزاك الله كل الخير و بارك فيك و في قلمك و فكرك و الله يحفظكم ويجعلها في ميزان حسناتكم.
    دمت في رعاية الله و الرضا منك

اترك رداً على انتصار الاسدي إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *