رياح التجديد .. قادمة لا محالة (3) … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
15 فبراير، 2026
اراء ومقالات, التعليم والبحث العلمي, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
115 زيارة

توقفنا سابقا عند حقيقة أن رياح التجديد لابد قادمة لا محالة ، وذلك لأن المعروض من الدين أصبح غير متوافق مع اتساع العقل الجمعي للبشر الناتج عن التطور التكنولوجي والنفسي للبشرية ، خاصة وأن المعروض أو الخطاب الديني قد تم حصره في أقل من (3%) من آيات كتاب الله وهي الفروض والحدود والمعاملات ، مع بعض خرافات وأساطير قصص الأنبياء المستمدة من الاسرائيليات ، بل وبالفعل قد تم الاعتماد على أحكام التوراة في الفقه الاسلامي ، فضلا عن إهمال وترك باقي العلوم الواردة بكتاب الله نتيجة جمود الفكر المتعمد ، والاعتماد على النقل عن السلف ، وكأن السلف هم فقط من كانوا يملكون العقول والقلوب للتدبر والفهم والتفسير ، ومن جاء بعدهم لا يزيدون عن كونهم أنعام لا تفقه ولا تستطيع التدبر ، واكتشفنا أن ما صابنا من تخلف هو الجهل المتوارث بحقيقة النفس البشرية ، ومسارها منذ بدء الخلق والاستخلاف وبالتالي حركة النفس منذ دخولها الجسد وحتى يوم القيامة ، وهو ما يسر تفشي الضلالات وجعل هذه الضلالات مقدسة بين المسلمين ، رغم وجود كتاب الله محفوظا بينهم .

وقد توقفنا سابقا عن لحظة الوفاة ، والتي تكرم الخالق العظيم بالحديث للبشر عن تلك اللحظة ليبين لهم ما هم مقبلون عليه ، فتوقفنا عند قول الله تعالى في بيان أبرز أحداث لحظة الوفاة .. {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }ق22 ، وقلنا أن تلك هي اللحظة التي تفقد (أنت) فيها كنفس .. الجسد الذي كانت تحيا من خلاله لانتهاء أجل (مدة) رحلتك في هذا الجسد ، فتجد هذا الجسد يموت بمغادرة الروح له وأنت كنفس لا تملك شيئا ولا تستطيع أن تعيد الروح للجسد ، وحينها .. يكشف الله الغطاء لنفسك .. لترى الحقائق التي غابت عنك ، قبل أن تنتقل للرحلة التالية ، فالنفوس لا تبقى مخزنة عند المولى عز جل إلى يوم القيامة ، ولا تبقى في القبور مع التراب والذي هو بقايا الأجساد المتحللة لأصلها (التراب) ، وهنا لدينا مسألتين خطيرتين ، الأولى هي تفنيد أكذوبة (أسطورة حياة القبور) ، والثانية (أين تذهب النفوس بعد لحظة الوفاة) ، وحقيقة لم يترك الله هذه الأسئلة بلا إجابة ، ولم يجعل تبيانها متشابها ليقع الإنسان في ضلالاته المعهودة ، ولكنه سبحانه فصل هاتان المسألتان بدقة شديدة ، ورغم ذلك تجاهل المسلمون تفصيل الله وآياته وأمعنوا الخيال واتبعوا الظنون وصدقوا أساطير وخرافات من سبقهم من البشر ، فنتج عن ذلك تزوير مهين لمفاهيم دين الله وتبعه تزوير لكثير من المفاهيم الأساسية لدين الله .

فالمسألة الأولى وهي أكذوبة حياة القبور ، والتي تفشت بين المسلمين بأكاذيب نعيم القبر وعذابه ، والتي زوروا لها حديثا يقول (القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار) ، وأتبعوا هذا الحديث المكذوب بعشرات الأحاديث عمن يعذب في قبره ، مع العلم بأن فكرة عذاب القبر قد جاءت مباشرة من أسطورة بابلية لآلهة الحب والحرب (عشتاروت) ، فعشتاروت (أو عشتار) هي أهم إلهة في الأساطير البابلية والآشورية لبلاد ما بين النهرين ، وتجسد آلهة الحب، الخصب، الجنس، والحرب معاً. تُعرف بجمالها وسلطتها كـ”سيدة السماوات” ومسؤولة عن تجديد الحياة. عُبدت كإلهة حرب قوية، وارتبطت بكوكب الزهرة، وتعتبر تطويراً للإلهة السومرية “إنانا“ ، وتقول الأسطورة أن عشتاروت اكتشفت خيانة عشيقها الإنسي لها مع إنسية ، فدفنتهما أحياء وسطلت عليهما (الثعبان الشجاع الأقرع) ينهشهما دون أن يموتا إلى يوم القيامة ، وسلطت عليهما مارد يضربهما بمطرقته فيهويان في الأرض سبعين خريفا ، والعجيب أنها نفس تفاصيل عذاب القبر لتارك الصلاة ، وقد نقلت هذه التفاصيل حرفيا وأصبحت أهم معالم عذاب القبر ، والذي تبرأ منه كل صاحب عقل وتدبر ، كان آخرهم الشيخ أبو كريمة وسبقه الإمام متولي الشعرواي قبل وفاته ، بقوله عن عذاب القبر { لا عذاب إلا بعد حساب ، ولا حساب إلا يوم الحساب }
ولعل أهم ما ينسف فكرة أكذوبة حياة القبور هو الفهم الصحيح لحقيقة خلق الإنسان وكيف يتم تركيبه ليصبح (إنسان) ، وكيف يتم هدم البنيان الإنساني إلى مفردات وماذ يحدث لهذه المفردات ، وهو ما فصله سبحانه بآيات عديدة بلغت أكثر (500) آية ، تركزت معظمها (424 آية) حول خلق ومسيرة (النفس) باعتبارها أصل الإنسان ولبه ، فالله خلق النفس مجردة ، وقد خلق الله النفس كائنا معجزا بديعا متكاملا ، وشاء سبحانه أن تبنى الحياة الدنيا على الضعف والاحتياج ، وذلك هو ناموس الحياة الدنيا لكل مخلوقاته فيها ، فشطر (قسم) الله النفس الكاملة ، فأنشأ منها نفسين ناقصتين متماثلتين ، ولكنهما يتوقان للتكامل ، وقمة الإعجاز تكمن في أن كل نفس ناقصة تصلح للحياة من خلال أي جسد (ذكر – أنثى) ، حيث أن كل نفس تسعد بالتكامل بواسطة جسدها مع من يخالفها جسدا ، فإذا شاء الله لأي نفس ناقصة أن تحيا في الدنيا ، شكل لها جسدا حيا في رحم أنثى ، فإذا اكتمل الجسد (بنهاية الشهر الرابع للحمل) ، يأذن الله بإنشاء تصوير) النفس في الجسد الجديد (الجنين) ، فتدخل النفس للمرة الأولى للجسد الجديد ، وتقول الأم حينها أن الجنين قد تحرك ، ويقول العلماء أن الجنين قد أصبح له إرادة .

وتتم عملية الإنشاء (التصوير) للنفس في الجسد الجديد برعاية ربانية كاملة ، حيث تتم عملية التكويد ما بين النفس وجسدها الجديد ، بإنشاء الوصلة الفوتونية بينهما ، التي تساعد كل نفس على التعرف على جسدها والعودة إليه دوما كلما خرجت منه ، لأن النفس لا تستقر في الجسد مطلقا ، بل تخرج من الجسد يوميا للنوم وتتركه ليقوم بالصيانة الذاتية لمكوناته التي يتم استزافها واستهلاكها بواسطة رغبات النفس ، ومنذ لحظة دخول النفس (الإنشاء) الأولى لا تستقر النفس مطلقا وتظل حتى آخر العمر (الأجل المقدر) تدخل للجسد وتغادره يوميا ، ما دام الجسد ما زال حيا (فيه روح) ، لأن الروح هي أكبر أسرار الإحياء لله تعالى ، فالروح موجودة في كل شيء حي (انسان – حيوان – حشرات – طيور – نبات – خلة أحادية) ، ولا يملك مخلوقا علما بكنه الروح ، ولذلك قال سبحانه وتعالى .. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85 ، وهنا كلمة الروح تعني سر إحياء الجماد ، لأن كلمة الروح قد جاءت في كتاب الله بعدة معان أخرى ، ولكنها هنا هي الروح التي منحها الله لنبيه عيسى (عليه السلام) ليحي بها الموتى ويشفي المرضى ، وهنا لابد وأن نذكر أن الروح لا يمسها ولا يعرف أي مخلوق عنها شيئا ، فهي تدخل الجماد فتحييه بإذن الله وتغادره فيموت بإذن الله ، وبالتالي فملك الموت لا علاقة له بالروح ولكنه فقط موكل بالنفوس (أصل الإنسان) ، ولذلك يقول سبحانه وتعالى .. {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42 ، وحتى يؤكد سبحانه أننا نفوس وأنه يتوفانا كنفوس قال فيها أيضا .. {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ }السجدة11 ، ولمزيد من التأكيد يقول سبحانه .. {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }الأنعام60 .

فالنفس تدخل الجسد وتخرج منه يوميا حتى نهاية أجلها مع هذا الجسد لهذه الرحلة ، وفي لحظة الوفاة تخرج النفس ولا تستطيع العودة ولا تستطيع دخول الجسد ، لأن الله أمر الروح فخرجت ، فمات الجسد وأصبح غير صالح لاستخدام النفس له ، وهنا لحظة الوفاة حيث تفقد النفس الجسد الذي كانت تمتطيه (تركبه) وتستخدمه وتحيا به في الدنيا ، فيعود الجسد ترابا كما بدأ ، ولا علاقة للنفوس به مرة أخرى ، حيث تبدأ النفس مراسم جديدة بناء على نتاج رحلتها التي انتهت بفقدانها للجسد ، ليشرح سبحانه في آيات بليغة في سورة الواقعة ، إلى أين ؟ وكيف ؟ يتم التعامل مع النفس المتوفاة ، فيقول سبحانه وتعالى .. نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ{60} عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ{61} وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ{62} ، وهنا يخاطب الله عباده وهم يموتون بقوله أننا قدرنا الموت بينكم تذوقونه .. {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }العنكبوت57 ، ، ثم يقول سبحانه لمن يموت … لا تهتموا بمن تركتم خلفكم ، لأننا سوف نستبدلكم بأمثالكم ، أما أنتم (كنفوس) فسوف نعيد إنشاءكم في نشأة جديدة ، لا تعلمون عنها شيئا ، ولكنها مثل نفس النشأة التي تعلمونها لو تذكرتم كيف تم إنشاءكم في المرة السابقة ، وهي التي شرحها سبحانه من قبل في سورة المؤمنون بقوله تعالى (أنشأناه خلقا آخر) في قوله تعالى … {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ }المؤمنون14.

وهل معنى ذلك أننا كنفوس سنعود للحياة الدنيا مرة أخرى في نشأة جديدة .. ؟؟؟ نعم سنعود وقد أوضح الله ذلك في سورة النجم بقوله تعالى .. {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى }النجم47 ، وحتى لا يدعي أحد أنها نشأة يوم القيامة يعاجله المولى عز وجل في سورة العنكبوت بقوله تعالى .. {…. ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20 ، وهل معنى ذلك أن الله يعيد الخلق مرات ومرات ؟؟ ، نعم يعيد الله الخلق لتدقيق العدل بين البشر ، حتى لا يأتي يوم القيامة ولبشر على الله حجة ، فيقول سبحانه .. {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ .. (بِالْقِسْطِ) .. وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }يونس4 ، فالإعادة تكون من أجل أن يتم اختبار كل نفس في مختلف أنواع الاختبارات ، وهو قمة العدل بين العباد ، ولذلك ليس من شأنك أن جعل الله في دنياه مؤمنين وكافرين وملحدين ومشركين ، ولا من شأنك أن خلق منهم ذكورا وإناثا ، أو أغنياء وفقراء ومختلف أشكال التباينات ، لأنها كلها معطيات للاختبارات ، وأنت قد تم اختبارك من قبل في مختلف الصور والاختبارات والمعطيات ، وما أنت فيه وما أخذته من قبل وما سوف يأتيك في الدنيا هذه المرة وفي المرات القادمة كلها معطيات للاختبار فقط ، و ليست معطيات استحقاق (لأنك تستحقها) .

وأخيرا … تبقى بضعة أسئلة .. هل هناك من لا يعود للدنيا مرة أخرى ؟؟ ، ومن الذي يعود تحديدا ؟؟ ، وما مصير من مات شهيدا أو احتسبه الله من الصديقين .. ؟؟ والإجابة بسيطة وموجودة في كتاب الله تعالى تفصيلا ، فهناك فئة لا تعود للدنيا أبدا وتظل (نائمة) حتى يوم القيامة ، وهم الكفرة الفجرة ، وهم أصحاب الشمال ، وهؤلاء تحدوا الله وهم يعلمون ، مع ملحوظة أنه لا عذاب لهم حتى يوم القيامة ، ولكن هؤلاء ينامون ولا يشعرون إلا عند لحظة استيقاظهم يوم القيامة فيقولون .. {وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ }الصافات20 ، ثم يقولون .. {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ }يس52 ، أما باقي الخلق فكلهم يعود للدنيا ، ولكن عودتهم منقسمة إلى قسمين ، القسم الأول هم (السابقون) ، والقسم الثاني هم (أصحاب اليمين) ، وأما كيف يعودون فهذا ما سوف نستعرضه لاحقا ..
جمال عمر