رياح التجديد .. قادمة لا محالة (2) … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
8 فبراير، 2026
اراء ومقالات, التعليم والبحث العلمي, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي
300 زيارة

توقفنا سابقا عند حقيقة أن التجديد الحقيقي لابد وأن يبدا بتصحيح المفاهيم الأساسية لدين الله من واقع المعان الواضحة لآيات كتاب الله ، واتفقنا بداية أنه ليس من المقبول أن نناقش مهام وواجبات ومسئوليات ابن آدم تجاه خالقه ، ونعطي له تعريفات للدين والأركان والشريعة وهو جاهل تماما بكنهه وتركيبه ومسيرته (ذكره) لقوله تعالة .. {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ }الأنبياء10، وهو ما يعني كما علمنا سبحانه (ماضيه وحاضره ومستقبله) حتى يوم القيامة ، وهو ما ركزت أكثر من ألف آية في كتاب الله على رسم الصورة الصحيحة لـ (ذكر بني آدم = ماضيه وحاضره ومستقبله) ، وهو ما تم طمس معالمه تماما بمئات من الأساطير والضلالات عبر قرون طويلة والتي بدأت في العصر الأموي بعد تغلغل اليهود لأروقة العلم والحكم في الدولة الإسلامية ، ووصلوا لبلاط الأمراء والملوك والسلاطين ، فأغلقوا أبواب الفهم والتدبر ، وقصروها على رجالهم وما أكثرهم في تاريخ علوم الدين الإسلامي ، وكان الهدف واضحا ، وهو تحويل المسلمين من علماء عاملين في شتى علوم الخلق والعلوم البحتة إلى دروايش لا علاقة لهم بالعلم والتطور ، وتمت الوشاية بكل علماء المسلمين بتهم (استخراج علوم دنيوية من آيات كتاب الله) وهو ما أدعوا أنه فسق وزندقة ، فمات معظم علماء المسلمين في السجون ، وتم تهريب كتبهم وأبحاثهم إلى أوروبا .

وما زال علماء الدين في الإسلام أسرى لهذا الفكر ، بل ويسعدهم ما وصلنا له من تزوير مفهوم الدين ، لأن هذا المفهوم يجعل منهم فقط هم (رجال الدين) ، ويجعلهم وكلاء الله على الأرض ، ويمنحهم قدسية وجلالا قد يسقط منهم لوعرف الناس المفهوم الحقيقي للدين ، وكما قلنا من قبل ونكرر ، أن مفهوم الدين في كتاب الله ، يعني أن دين أي إنسان هو المعتقدات والقيم النفسية التي يؤمن بها ويتصرف تبعا لها تلقائيا في جميع حركات حياته ، ولو توافقت معتقداتك وقيمك الشخصية مع ما يأمر به الله ، فأنت على دين الله (مهما كانت ملتك ومسماك) ، وبهذا المفهوم البسيط ، يصبح الطبيب (رجل دين في علم الطب) ، والمنهدس (رجل دين في الهندسة) ، والاقتصادي (رجل دين في الاقتصاد) ، وذلك لأن كتاب الله يحتوي حدود كل علوم الدنيا التي يحتاجها ابن آدم ليعمر بها الأرض ، وبالتالي فلا يوجد ما نسميه دينيا وسياسيا واقتصاديا وعمليا ، فكل علوم الدنيا هي علوم الدين والذي هو ما يحكم حركة الحياة في نفوس البشر ، ويصبح رجال الدين مسئولين فقط عن 3% من آيات علوم الله وهو علوم الفقه (الفروض والحدود والمعاملات) ، وتصبح علوم البحث العلمي في كل مجالات الحياة فرض على إنسان ، ومن تركها متعمدا فهو كافر بقيومية الله عليه كإبليس ، لأن يتعمد إنكار (العبادة) ، والتي هي تنفيذ مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها ، وهي إعمار الأرض بالعلم والعمل والكد والكدح .

ولو تم تصحيح هذه المفاهيم الأساسية ، فسوف يصبح التنافس في مجالات التطور العلمي والتقني من أساسيات الإيمان بالله وتركه محرم ، وهو ما سوف يغير من أحوال المسلمين في سنوات قليلة ، ويجعلهم سادة العالم ، وهو ما عرفه اليهود مبكرا ، عندما ظهر أكثر من 500 عالم مسلم في شتى المجالات في أقل من 100 عام بعد وفاة رسول الله ، وهو أزعج اليهود الذين أخفوا التوراة وأنشأوا التلمود ، وأخفوا الإنجيل وأنشأوا الأناجيل المزورة ، ولكنهم فشلوا في تزوير حرف من القرآن العظيم ، ولم يجدوا بدأ من إدخال رجالهم لأروقة الدين والحكم ، واستطاعوا تشويه المفاهيم بإغراق العالم الإسلامي بكتب الأحداديث والتفاسير والسيرة وكلها مليئة بالاسرائيليات والخرافات ، وما زال المسلمون مصرين على تلك الضلالات التي جعلوها مقدسة ، والتي بدأت بضلالات تركيب الإنسان ذاته ، فمن جهل طبيعته وتركيبه ، لن يكون قادرا على فهم أو تصحيح مفاهيمه .

وبداية من آيات النفس في كتاب الله سوف نجد أنها تزيد عن (420آية) ، وجميها يؤكد أن بني آدم قد خلقهم الله من نفس واحدة ، {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }الأنعام98 ، وهنا نلاحظ أن النفس (نفسك) قد تم خلقها عبر عملية (إنشاء) من (نفس واحدة) متكاملة ، لتصبح ما هي عليه الآن (نفس ناقصة تسعى للتكامل) ، وتلك هي حكمة الحياة على الأرض في الدنيا ، فالنفس التي أنشأها الله من النفس الكاملة هي نفس ناقصة وتكاملها يتم مع نفس أخرى ، وفي الحياة ينشيء الله كل نفس ناقصة في جسد خاص ، وهو ما أشار الله له في ختام عملية الخلق للإنسان في سورة المؤمنون بقوله تعالى .. { .. ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ }المؤمنون14 ، وهنا إشارة لإنشاء النفس في الجسد ، حيث يسبق هذه اللحظة أربعة أشهر يكتمل فيها تخليق الجسد الحي من حيوان منوي وبويضة عبر مراحل الخلق ، وعند هذه اللحظة تقول الأم أن الجنين قد تحرك ويقول العلم أن الجنين أصبح له (إرادة) بدخول النفس للجسد الكامل ، والنفس بطبيعة إنشائها (الناقصة) يمكن إنشاءها لتحيا في جسد (ذكر) أو في جسد (أنثى) ، وتلك حكمة السعي للتكامل بين نفسين ناقصتين ليتكاملا ، وقد جعل الله عملية التكامل ممتعة نفسيا وجسديا ، ثم يكون نتاج التكامل جنينا وطفلا جديدا ، فيحبونه ويراعونه ويربونه ، لتستمر عملية الاستخلاف على الأرض ، وهو نتاج محاولات التكامل بين النفوس المحتاجة فطريا للتكامل .

ولذلك لا عجب عندما نرى أن الخالق العظيم ينبهنا لأبرز أحداث يوم القيامة في سورة التكوير ، وذلك في المشهد السابع من مشاهد يوم القيامة يقول سبحانه .. وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ{7} ، وهنا تعود كل نفس ناقصة لنصفها الذي (أنشأت منه) أو شطرت منه ، فتتكامل كل النفوس ، وعندها يختفي الوالدين والأبناء والأعمام والأخوال والأجداد ، فيؤكد سبحانه على تبعات هذه العملية أو الحدث ، فيقول في سورة المؤمنون .. {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ }المؤمنون101 ، فبمجرد النفخ في الصور يوم القيامة تتم عملية تزاوج كل النفوس الناقصة (والتي أنشأها الله ناقصة من قبل كمتطلبات لتنفيذ واستمرار عملية الاستخلاف في الحياة الدنيا) ، حينها تختفي الأنساب تماما لانعدام وجود أصلها (النفوس الناقصة) ، وبالتالي لا تتسائل النفوس الكاملة عما خلفته وراءها في الدنيا من أنساب اختفت بالنفخ في الصور ، وبالتالي فنحن أمام عملية فصل للنفس الواحدة فتصبح نفسين ناقصتين لتحيا في الدنيا ، ثم بنهاية الدنيا تعود فيتم التزاوج بين النفوس لتعود كاملة وهو المستقر الأخير (والأول لها قبل الانقسام) ، لنتذكر سويا قوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }الأنعام98 ، وبالتالي فنحن في الدنيا (نفوس) في حالة عدم استقرار وتواجد مؤقت (مستودع) ومصيرها للمستقر النهائي (كنفس واحدة متكاملة) مرة أخرى .

ولا عجب بالطبع أن نكتشف أننا نعيش حالة استثنائية مؤقتة لا استمرار لها بعد نهاية الحياة ، وهذه الحياة بكل خصوصياتها على النفس البشرية (الناقصة) ، وكأنك في حياتك في رحلة قطار سوف تقابل فيها أصحاب سفر ، ثم تغادرهم أو يغادرونك ، وبعدها لن يكون لكم وجود سويا ، فالرحلة كأنها رؤية مؤقتة أو حلم ، سوف نحاسب على تبعاتها ونواياك فيها ، ويبرز السؤال الملح ، وكيف سيحاسبنا الله وكل نفس يوم القيامة ستكون مكونة من نفسين كانتا منفصلتان ولكل منهما حيواته الخاصة بكل حسناتها وخطاياها ، ولهذا السؤال إجابة واحدة شافية ، أننا مجرد نوع من خلق الله ، والله وعدنا بالرحمة ، (ومن أصدق من الله قيلا) ، وإذا كانت عملية خلقنا ومسارنا المطلق أكبر وأوسع من قدور خيالاتنا ، فكيف لنا أن نفهم ونستوعب كيفية تعامل الله معنا سوى بالرحمة ، وسبحانه يقول .. { .. وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ .. }الأعراف156 ، خاصة لو اكتشفنا أن كل نفس ناقصة في الدنيا وقبل يوم القيامة ، تحيا حيوات متكررة من خلال نشئات متعددة ، وكل حياة بمعطيات مختلفة عن الأخرى بداية من نوع الجسد (ذكر- أنثى) ، ومرورا بالشكل والبيئة والدين والمعطيات الحياة والأرزاق ، حتى تبتلى (تختبر) كل نفس في كل معطيات الحياة ، وحتى تأتي كل نفس يوم القيامة وليس لها على الله حجة أو عذر ، فيقول سبحانه وتعالى عن حساب يوم القيامة … بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ{14} وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ{15} .

ولا شك أنه من عدل الله معنا ، أننا اليوم في الدنيا قد طمس على كثير من حقائق ماضينا السابق في الحيوات الأخرى ، حتى يكون لكل منا الفرصة الكاملة لتكون قراراتنا في الحياة نابعة من نفوسنا دون تأثير أو خوف أو إخضاع ، ولذلك يذكرنا سبحانه بأن لحظة مغادرتنا لأي جسد للوفاة سوف تكون لحظة فارقة ، تكشف فيها الحجب ويرى ابن آدم ما كان مختفيا عنه ، فيقول سبحانه .. {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }ق22 ، وتلك اللحظة التي تفقد النفس فيها الجسد الذي كانت تحيا من خلاله لانتهاء أجل هذ الرحلة في هذا الجسد ، ولابد للنفس أن يكشف غطاؤها لترى الحقائق ، قبل أن تنتقل للرحلة التالية ، وكل رحلة هي مرحلة تعتمد دوما على نتائج الحياة (الرحلة) التي سبقتها ، وتعتمد أيضا على إجاباته على بعض الأسئلة الحتمية بعد خروجه من الرحلة ، وهو ليس حساب ولا ترهيب ولا تعذيب ، ولكنها أسئلة سوف تحدد معالم المرحلة التالية ، والتي تنقسم لحالتين رئيسيتين لا ثالث لهما ، الحالة الرئيسية الأولى هي أن تعود النفس للدنيا في حياة جديدة بجسد مختلف ومعطيات مختلفة ، وهذه الحالة تنقسم لقسمين رئسيين ، الأول منها لعامة البشر ، والثاني منها للسابقون السابقون ، أولئك المقربون ، أم الحالة الرئيسية الثانية فهي ألا تعود النفس للدنيا مطلقا إلى يوم القيامة ، وتلك حالة الكفرة الفجرة ولا حساب لهم ولا عذاب حتى يوم القيامة ، وهو ما سوف نتعرض له لاحقا ..
جمال عمر