رياح التجديد .. قادمة لا محالة … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
2 فبراير، 2026
اراء ومقالات, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي
295 زيارة

لا شك أن الإنسان بفطرته يكره التغيير المفاجيء ، وإن كان يعشق كل جديد ويستهويه معرفة الغريب والعجيب ، ولكنه دوما يحب أن يركن لما تعود عليه ، خاصة لو كان ذلك يمس فكره ومعتقداته التي ولد في كنفها وأصبحت كثيرا منها مقدسات ، حتى ولو كان لديه شكوكا بأنها ضلالات مقدسة ، ولا شك أيضا أن الله منح ابن آدم أحد أروع صفاته وجعلها فطرة في كل النفوس وهي (صفة الإبداع) وهي الرغبة الملحة في نفس ابن آدم ليأتي بالجديد ، وتلك الفطرة قد منحها الله بني آدم لتعينهم على تنفيذ مهمة العبودية (العبادة) التي خلقهم من أجلها ، وهي إعمار الأرض كخلفاء عليها ، ولكن ابن آدم كعادته وتنفيذ لشهوات التميز والتفرد أساء استخدام هذه الفطرة ، فوضع لمساته على كل شيء ليصنع أشياءا جديدة ومختلفة ، وبالطبع لم يسلم دينه من لمساته ، ورغم علم البشر أن الدين هو دين الله ، وأن الله أنزله برسالات متعاقبة واحدة في كل مضمونها ، وأن دين الله لا يقبل الإضافة البشرية ، وأن الله وحده هو المشرع لابن آدم ، إلا أن تعاقب الأجيال وتوارث التشويه المتعمد للفكر ، قد أصبح في النهاية ضلالات مقدسة تشكل دينا موازيا يرتدي عباءات خارجية في شكل مناسك متوارثة ، ولكنه في حقيقته مخالف تماما لدين الله بل وبتعارض مع أبسط مفاهيم دين الله الأساسية .

وحشا لله أن نفتري كذبا على أحد ولا أن نتهم أحدا بالضلال ، ولكن المفاهيم الرئيسية لدين الله قد تم تشويهها بتعمد عبر تاريخ البشر ، بداية من أوراق إدريس وصحف إبراهيم وزابور ومزامير داوود وتوراة موسى وإنجيل عيسى ، وكل تلك الرسالات قد اتختفت ولا يعرف أحدا أين نسخها الأصلية ، وتبقى بين أيدينا الكتاب المقدس بكل ما فيه خرافات وانحرافات يندى لها الجبين أو يرفضها العقل والمنطق والفطرة السوية خاصة في أيات الخلق المنافية للعلم ، وكذلك المنافية للأخلاق في كثير من آياته الجنسية ، ولم يقف ضلال البشر عند التوراة والإنجيل ، ولكنه امتد للقرآن العظيم وهو دستور الحياة النهائي والمكتمل للبشر ، وعندما فشلوا في تحريف رحوفه وآياته لحفظ الله له ( ) ، زوروا مفاهيمه الرئيسية ، وحتى لا ينفضح التزوير أغلقوا أبواب الفهم والتدبر في آياته ، وعينوا عليه حراسا صارمين عبر تتابع الأجيال ، أسموهم رجال الدين وعلماءه ، والذين لا يستحون أن يعلنوا دوما أنهم نقلة العلم الديني ، وأن العلم الديني قد توقف وتجمد عند علماء الدين الأوائل والذين رحلوا منذ أكثر من ألف سنة ، ورغم أنهم يقرأون أوامر الله وووصاياه بالتفكر والتدبر إلا أنهم حرموا التدبر والتفكر على أنفسهم وعلى عامة الناس .

وهكذا .. تم تفشت الضلالات بين مفاهيم دين الله ، وأصبحنا نعيش تحت عباءة دين موازي تئن مفاهيمه الرئيسية بالضلالات التي أصبحت مقدسة ، ووصل بنا الحال أن أصبح الدعاة غير مقنعين خاصة للشباب ، وتفشت بين المسلمين الفرق والجماعات ، واستغل عباقرة الماسونية هذا الانحراف وصنعوا وسيطروا على كثير من الفرق والجماعات واستخدموها لتنفير الناس من دين الله بالتشدد ، ثم الانهيار الأخلاقي لرجاله ، فظهر الإلحاد بين فئات عديدة من الشباب ، وهو ما دفع الكثيرين للتصدي والمطالبة بالتجديد والتغيير لللخطاب الديني ، وهو ما يستتبعه التنقيح لموروثان علوم الدين ، وهنا تصدى رجال الدين لكل من يحاول التجديد ، واتهموهم بالفسق والزندقة ، وحاربوهم بتهم اذدراء الأديان ، وأدخلوا الكثيرين منهم للسجون ، ورغم ذلك تزايدات حملات المطالبة بالتجديد والتغيير ، ورأينا مناظرات وجدالات وصراعات وشجارات علنية على الفضائيات وصفحات التواصل ، وكل ذلك في مجمله ظواهر صحية وإيجابية تعلن أن رياح التغجديد قادمة لا محالة .

إلا أن عشوائية المناظرات واندفاع البعض في الأقوال دون تدبر حقيقي يحول دون الوصول إلى فهم لحقيقة التزوير والضلالات ، خاصة وأن كثير من دعاة التجديد يقعون في فخ الفقه ، ويجهلون أن دين الله في كتابه العزيز قوامه ستة آلاف ومئتان وست وثلاثون آية ، وآيات الفقه (الفروض والحدود والمعاملات) لا تتعدى (200 آية) وهو ما يعادل أقل من 3% من آيات دستور الحياة من الله للبشر ، بل والأخطر أننا نغرق في آيات الفقه (فروض وحدود ومعاملات) ، دون أن نصحح مفاهيم خلق الإنسان والغرض منه ومساره في الحياة رغم أن كتاب الله قد فصل ذلك تفصيلا ، وقال لنا سبحانه .. {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ }الأنبياء10 ، والذكر هنا يوضح أن الله سبحانه قد وضح في هذا الكتاب مسيرة ابن آدم (ماضيه وحاضره ومستقبله) ، ولكننا جهلنا ولجأنا للبشر وصدقنا خيالاتهم وظنونهم ، وكذبنا أو جهلنا من وضحه سبحانه وفصله لنا تفصيلا في دستوره الإلهي لعباده ، ولعل أبلغ آية غفل عنها المفسرون ، وتركونا فريسة لخرافات البشر تلك التي يسخر الله من جهل بني آدم المبنية على ظنونهم ، بأن حياتهم في الدنيا هي لمرة واحدة فقط ، وننتظر بعدها يوم القيامة ، فيقول سبحانه وتعالى .. {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ }الجاثية24.

ورغم وضوح مفهوم الآية بأننا نعيش حياة متكررة وليست واحدة ، ورغم وجود أكثر من مائة آية تؤكد وتفصل مسار النفس قبل الإنشاء في جسد وبعد توفي الله لها وحتى يوم القيامة ، إلا أن علماؤنا قرروا تصديق الجهل والظنون لعلماء أوائل ، وتجاهل بلاغ الله لنا تماما ، ولم يتوقف التجاهل لآيات الله عند آية بعينها ، ولكنه استمر وبلغ قمته بالادعاء أن حديثا من أقوال خاتم المرسلين يلغي وينسخ آيات من كتاب الله ، رغم أن أهم قواعد الفقه تقول أن القرآن مرجع قطعي ، وأن الأحاديث هي مرجع ظني ، ولكنهم يفضلون الظني على القطعي ، في مهزلة فقهية لا جدال فيها ، ورغم أن رسول الله منع أن يكتب من أقواله شيئا ، ولم يجمع الحديث إلا بعد وفاته بمائة وخمسين سنة ، ورغم أن رسول الله قال لنا { لو جاءكم عني ما يخالف كتاب الله فاضربوا به عرض الحائط } ، ولكننا نحكم بحديث رسول الله بنفي الوصية للوارث مخالفين لآيات الله ، ونؤكد بنسخ والغاء آيات في كتاب الله بأحاديث لرسول الله ، بل وندعي كذبا وزورا أن الله نسخ آيات في كتابه بآيات أخرى ، ونتناسى أن دين الله الواحد هو دين واحد لا تغيير فيه منذ آدم ، ولكنه قد نزل متدرجا متناسبا مع تدرج وارتقاء الوعي النفسي للبشر ، ونتجاهل أن أول أحكام نزلت مكتوبة قد نزلت على نبي الله موسى في الفرقان .. {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }البقرة53 ، والفرقان هي آيت تفرق بين الحق والباطل في حركة حياة البشر (آيات الفقه) ، وهذه الآيات قد نزل مثلها على خاتم الرسل لتعدل وتصحح بعض الأحكام من فرقان موسى ، لتتناسب مع اكتمال الميراث النفسي للبشر في عهد خام المرسلين ، وتصبح دستورا للعالمين إلى يوم القيامة ، فقال فيه سبحانه .. {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً }الفرقان1 ، وبالتالي فآيات فرقان محمد قد نزلت لتؤكد بعض آيات فرقان موسى ، وكذلك لتنسخ (تلغي) وتصحح بعض أحكام آيات فرقان موسى ، فآيات القرآن نسخت فقط بعض آيات التوراة التي لم تعد مناسبة لاكتمال الميراث النفسي للبشر .

وعجبت كثيرا للجدال الدائر حول أركان الأسلام ، وبعض آيات الفقه ، والتي تحتمل الفهم والفهم والفهم الآخر ، وكأننا نختلف حول حقيقة لون الجلد لمريض بالسرطان ، ونترك معضلته الرئيسية التي امتلات بالضلالات المقدسة ، وعلى رأسها مفهوم الدين لدى رجال الدين وبالتالي لدى العامة ، وكذلك مفهوم العبادة المزور والذي حول المسلمين إلى دراويش لا قيمة لهم ومكن منهم أعداء دينهم ، وأهانهم في الدنيا فأصبحوا كغثاء السيل ، ونذكرهم بأن الدين هو مجمل ديون ابن آدم لله وهو تنفيذ المهمة التي خلقه الله من أجلها ، فالدين هو ببساطة مجمل معتقدات الإنسان التي يتصرف تبعا لها تلقائيا في كل حركة حياته ، فلوكنت طبيبا فأنت رجل دين متخصص في الطب ، ولو كنت نجارا فأنت رجل دين في النجارة ، ولو كنت تؤمن بأن النساء ملعونات فذلك من مفردات دينك ، ولو كنت توقن بأنك جئت للدنيا لتيستمتع بالحياة فتلك أيضا مفردات دينك ، ولو توافقت مفردات متعتقداتك مع ما يأمر به الله من العلم والعمل والفكر ، فأنت على دين الله ، والمهندس والعالم أكثر قربا لدين الله من غير المتعلم ، والفقيه المتخصص في فتاوى (الفروض والحدود والمعاملات) هو أيضا واحدا من رجال الدين ، ولكنه ليس وحده رجل الدين ، كما خدعونا وأورثونا ضلالات مقدسة عبر مئات السنين .
![ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء . [ الفرقان: 17]](https://surahquran.com/img/ayah/25-17.png)
أما العبادة .. فهي أبدا ليست كما يدعون بأنها في آداء المناسك والفروض ، لأن الفروض سماها الخالق العظيم (مناسك) ، وعلمنا أنها مناسك خضوع والغرض منها هو الحفاظ على استقامة الإنسان في تنفيذ المهمة التي خلقه الله من أجلها ، وهي إمار الأرض كخلفاء عليها ، وأكدها سبحانه بداية قبل خلق الإنسان بقوله تعالى ({وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً .. }البقرة30 ، ثم أكد على مهمة الخليفة بقوله تعالى .. { .. هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا .. }هود61 ، وبالتالي فإعمار الأرض بالعلم والعمل والكد والكدح كخلفاء عليها .. هي مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها ، وبالتالي فهي العبادة الحقيقية ، ولذلك جعلها الله فطرة في النفوس ، فكل منا يريد أن يحيا أفضل ممن سبقوه وذلك عين الإعمار للأرض ، ولأن العبادة هي إعمرا الأرض ، فقد جعل الله (الإفساد في الأرض) هو إعلان حرب على الله ورسوله ، وجعل عقوبته هي أشد عقوبة في الدنيا ثم الآخرة ، وأنزلها بقوله تعالى .. {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }المائدة33 .

ولأن العبادة هي إعمار الأرض ولا علاقة لها بالإيمان أو أداء المناسك ، ويشترك فيها المؤمن والمشرك والملحد والكافر ، فقد أكد سبحانه على أن الكفرة أيضا يسميهم سبحانه (عبادي) بقوله تعالى .. {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ }الفرقان17 ، ثم أعاد سبحانه تأكيد ذلك في ذكره لختام رد نبي الله عيسى على الله ، عندما سأله عن قوله الناس أن يتخذوه وأمه إلهين من دون الله بقوله تعال على لسان عيسى .. {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }المائدة118 ، فالعبادة ليست في الإيمان ولا في آداء المناسك واقامة الشعائر مطلقا ، ولكن العبادة هي فقط في تنفيذ مهمة العبودية بإعمار الأرض بالعلم والعمل والكد والكح ، وقد تم تزوير هذا المفهوم الرئيسي من أجل تحويل المسلمين لدراويش لا علاقة لهم بالعلم والتقدم ، وهو ما بدأ في العصر الأموي وبلغ ذروته في العصر العباسي ، فمات معظم علماء المسلمين الكبار في السجون بتهم الفسق والزندقة واستخراج علوم الدنيا من كتاب الله ، وما زال علماؤنا ومشايخنا يجاهدون ليواكبوا التقدم العلمي وهم متخبطون ، لأنه خلطوا العبادة ونشروا مفهومها الخاطيء ، ويخافون تصحيح المفاهيم فيهمل الناس المناسك ، ويهتموا بعلوم الدنيا (كما يرونها) فقط ، وينسون أن الدين له ركنان أساسيان ، هما المهمة والمناسك ، فمن أهمل مهمة العبودية (العبادة) فقد كفر بقيومية الله عليه كإبليس ، ومن ترك المناسك فقد كفر أيضا بقيومية الله عليه وهو أضل من إبليس ، لأنه يرفض الخضوع والسجود لله تعالى .

أخيرا فالتجديد لابد وأن يبدأ بتصحيح المفاهيم الرئيسية ، والتي تبدأ من فهم تركيب الإنسان ، وإلغاء مفاهيم ابن القيم وغيره ممن خلطوا النفس بالروح ، وهو ما تسبب في مئات من الأساطير والضلالات التي أصبحت مقدسة ، خاصة وأن الخالق العظيم منحنا أكثر من اربعمائة آية تشرح النفس وأحوالها وأمراضها وعلاجها ومسارها إلى يوم القيامة ضمن آيات الله الملغق عليها والممنوع تدبرها قصرا بأوامر موروثة عن يهود الماسونية الذين تغلغلوا في الإسلام منذ العصر الأموي والعباسي ، إلى جاني أكثر من ثلاثة آلاف آية علوم بحتة أنزلها سبحانه لتعين ابن آدم في مهمته التي خلقه من أجلها (العبادة) وهي إعمار الأرض ، وبالتالي فلسنا في حاجة للمناظرات والجدالات والنقاشات الحادة والاتهامات بقدر ما نحن في أشد الحاجة للفهم الهاديء لكتاب الله ، والتعاون من أجل تصحيح المفاهيم الرئيسية وحينها سوف يكون تجديد الخطاب الديني خطوة تلقائية لا تحتاج للجدال ولا المشحنات ، لأنها سوف تصبح خطابا صادقا وواضحا بدين الله الشامل المتكامل ، فيكون مقنعا للشباب قبل العجائز ، وومقربا لحقيقة الدنيا والآخرة ، فقط كما أوضحها سبحانه وتعالى في قرآنه العظيم ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …
جمال عمر