الاتزان الكوني والشفرة الإلهية (3) … بقلم : جمال عمر

توقفنا سابقا في موضوع الشفرة الإلهية والاتزان الكوني ، عند قولنا أن الموضوع يحتاج منا فهما عميقا للتوازن الكوني الذي يفرضه ناموس الخالق في حركة حياة خلقه ، لأن الاتزان الكوني لا يعني فقط ما تراه عيوننا حولنا من إعجازات الخلق ، ولا ما نلاحظه من إبداع الاتزان الكوني فيها فقط ، ولكن تعني ما لا تراه عيوننا وخارج قدرات حواسنا ، وهو ما لابد للإنسان من معرفته وفهمه وإدراك إبعاده ، على الأقل ليفهم القدر الحقيقي لإبداع التوازن في الكون ، ويدرك حقيقة قصته من بدايتها إلى نهايتها في يوم القيامة ، والتي نجهلها ونغرق فيها بالأساطير والأوهام ، لأننا نجهل إبداع الخالق في كونه ، فمثلا .. كل ما نعرفه على الأرض مكون من عنصرين (الذكر – الأنثى) ، بداية من السحاب ومرورا بالإنسان والحيوانات والطيور والحشرات ونهاية بالمخلوقات المجهري الدقيقة ، ولابد من حدوث التفاعل بينهما ليحدث التكاثر واستمرار الجنس أو النوع ، وفي عالم الإنسان والحيوان والطيور والحشرات والمخلوقات البحرية ، تعد العلاقة بين الذكر والأنثى هي الأساس لرعاية الأجيال الجديدة ، وكلما كانت العلاقة بينهما جيدة ، كلما كانت الأجيال أكثر قوة واتزانا وقدرة على الاستمرار واستكمال مسيرة الاستخلاف .

مراحل تكوين الجنين، ومراحل نمو الجنين بالشهور | الطبي

ولا يمنع ذلك من وجود استثناءات للقاعدة ، بوجود تكاثر عذري بدون ذكر في مخلوقات تعد على أصابع اليد ، لأن من أساسيات ناموس الكون ، أن الاستثناء نفسه هو إثبات على رسوخ القاعدة الأساسية ، فالشذوذ هو علامة على صحة الاستقامة ووجوبها ، وتلك أيضا علامة جادة وقوية على وجود الاتزان الكوني بين المخلوقات ، وهو ما يفتح لنا أبواب ما يعرفه العلماء بسلاسل الغذاء ، حيث توجد في كل بيئة ما نسميه السلسلة الغذائية ، وموجزها هو اعتماد كل مخلوق فيها في غذاءه على مخلوقات آخرى تشاركه بيئته ، ودوما نجد أن من يتغذى على مخلوقات غيره يكون دوما أكثر قوة أو رقيا من غذائه ، ويحتل ابن آدم قمة السلسلة الغذائية ، فهو يتغذى على الحيوانات والنباتات والطيور والأسماك والحشرات والبكتريا والفطريات ، وكل نوع منهم يخضع لسلسلة غذائية خاصة في بيئته ، وهذا لا يمنع أن الانسان نفسه عندما يموت يتحول جسده لغذاء للنباتات والحشرات وغيرها ويدخل في سلسلة الغذاء ودوائر إعادة التشكيل من جديد ، وكل ذلك في اتزان بديع لتكامل وتفاعل السلسلة الغذائية على كوكب الأرض ، ولذلك عندما يتدخل الإنسان بغباء وحماقة ، مثلما يفعل بسوء استخدام المبيدات الحشرية ، يختل الاتزان الطبيعي في المكان والزمان ، ولا يعود الاتزان إلا بتوقف حماقات الإنسان .

les insectes et les reptiles en Francais أسماء الحشرات و الزواحف بالفرنسية

ولو استعرضنا التوازن الطبيعي بين الحشرات والزواحف ، فسنجد أنه نظام معقد حيث تتفاعل هاتان المجموعتان من الكائنات الحية بشكل متبادل، وتلعب كل منهما دورًا في الحفاظ على استقرار النظام البيئيتتغذى الزواحف على الحشرات، مما يحد من أعدادها ويمنع انتشارها بشكل كبير. في الوقت نفسه، تساهم الحشرات في تلقيح النباتات وتغذية بعضها البعض، مما يؤثر على توفر الغذاء للزواحف. يؤدي هذا التفاعل إلى استقرار أعداد كل من الحشرات والزواحف، مما يحافظ على التنوع البيولوجي وصحة النظام البيئي ، مما يستوجب دوما الحفاظ على التوازن الطبيعي للحشرات المنزلية ، بمعنى الحفاظ على عدد الحشرات في مستوى مقبول بحيث لا تسبب أضرارًا كبيرة للبيئة أو للإنسان ،ويتطلب هذا التوازن فهمًا لدور الحشرات في النظام البيئي، واستخدام طرق طبيعية للحد من أعدادها، بالإضافة إلى اتخاذ بعض الإجراءات الوقائية ، مع تجنب عمليا الإبادة السامة لها مما يفتح الباب لوجود أشكال أخرى أكثر شراسة وضررا مما تم القضاء عليه .

وضعت قطرة من ماء المطر | تحت المجهر - YouTube

بل ليس عجيبا أن نعرف أن المياه التي نشربها يوميا ، مليئة بالمخلوقات الدقيقة من البكتريا والفطريات ، وأن وجود هذه المخلوقات هو ما يجعل الماء مفيدا ، وبالتالي فلا يصح مطلقا الإصرار على شرب المياه المعقمة ، أو الاستمرار في شرب المياه المعدنية ، لأن في ذلك حماقة سوف تؤدي لانتشار أنواع غريبة من الأمراض قد تفتك بجسد ابن آدم ، وليس عجيبا أن نعرف أن جسم الإنسان مليء بالكائنات الدقيقة خاصة البكتريا والفطريات ، وأنه لابد من وجدوها بمستويات متوازنة معينة ، وأي خلل في زيادة أو نقصان أصناف بعينها داخل جسم الإنسان ، يؤدي لاختلال النظام الطبيعي للجسم ومرضه ، فلسنا سوى بشرا يحيا في عالم مليء بالمخلوقات ولابد من التوازن معها لتستمر الحياة آمنة وهادئة ، ولذلك عندما يضطر الإنسان لتناول مضادات حيوية لفترة كبيرة ، فإنه لا يعود لطبيعته بعد الشفاء مباشرة ، لأنه يحتاج لفترة لإعادة توازن البكتريا والفطريات التي قتلتها المضادات الحيوية ، والمسئولة عن معظم وظائف أجهزة الجسم وعلى رأسها الجهاز الهضمي .

وظيفة الجهاز العصبي

وعند الاتزان الطبيعي في جسد الإنسان لابد وأن نتوقف كثيرا ، لأن جسد الإنسان يعد من أروع مخلوقات الله على أرضه ، فأجهزة جسم الإنسان مع اختلاف وظائف كل منها ، بينها وبين بعضها عملية اتزان وتوافق وتكامل عجيب ، وجميع الأجهزة في جسد الإنسان يربطها جهاز عصبي دقيق ورهيب من حيث دقته وتشعبه وقدراته ، ولم يستطع العلماء اكتشاف كثيرا من أسرار هذا الجسد حتى الآن ، وكل ما يفعله الطبيب هو عملية التنشين ، فهو يدرس مجموعة من الظواهر ونتائج التحاليل والفحوصات والأشعات ، ليحدد نوع المرض الأكثر احتمالا ، وقد يتعجل لو كان طبيبا بلا خبرة أو ممن يحفظون دون تدبر ، ويبدأ فورا في علاج الظواهر طبقا للفحوصات ، ولكن طبيبا آخر يتمهل ليحدد السبب الرئيسي لكل الأعراض والظواهر التي بين يديه ، والدليل على ذلك ، أنه بعد أكثر من 100 عام ، بدأنا نعرف أن الضغط ليس بمرض ولكنه عرض ، وأن السرطان يمكن شفاؤه في المنزل بنظام غذائي يعتمد على قلوية الجسم والامتناع عن السكريات ، وأن 90% من عمليات إزالة المرارة خاطئة ويمكن تجنبها ، خاصة لو علمنا أن القناة المرارية لها وظائف أخرى مختلفة تؤثر على اتزان ودقة عمل أجهزة أخرى في الجسم ، وأصبح من المعروف طبيا أن الحالة النفسية تمثل أكثر من 90% من دوافع الشفاء ، وبالتالي فيمكن لحالات الاكتئاب والحزن أن تتسبب في قتل صاحبها خلال أسابيع وربما أيام معدودة .

فن السيطرة و التحكم فى عقول الاخرين - أهم قواعد علم النفس

وعند الحالة النفسية لابد وأن نتذكر جيدا ، أن النفس هي القائد للجسد وهي صاحبة الأمر والمسئولة عن صحة الجسد في المقام الأول ، فعندما تختل التوازنات النفسية لدى الإنسان ، يستتبعها الخلل في كثير من الأجهزة في الجسم ، ونلاحظها في أبنائنا ، فابنتك الصغيرة عندما تقترب من سن المراهقة ، وتبدا في التعامل مع آثار تغير الهرمونات في جسدها ، فسوف يتعرض جسدها لبعض الخلل لفترة قصيرة ، وخلال هذه الفترة قد تصاب الفتاة بأمراض مزمنة ، نتيجة الخلل النفسي نتيجة التعرض لمختلف أنواع المشاعر والتعاملات الغير سوية ، فمثلا البنات التي نشأت في عائلات منفتحة ولا تعير لقيم الدين والألتزام اهتماما ، سوف تكون معاناة الفتاة فيها كبيرة ، وإن لم تتزوج البنت في سن مبكرة وهذا لا يحدث ، فسوف تصاب الفتاة ببعض الأمراض المزمنة كمقاومة الأنسولين وتكلس المبايض وما يستتبعها من السمنة أو النحافة الزائدة ، وهو ما قد يغير حياتها مستقبلا بصورة مخيفة ، وقد تضرب البنت بما تبقى من قيم والتزام عرض الحائط فتمارس الصداقة المختلطة والمساكنة والعلاقات المحرمة ويكون ذلك ظاهريا كنوع من الترفيه ، ولكنه في الحقيقة بحثا عن الاتزان النفسي والجسدي .

محاور التوازن في عجلة الحياة دورات عجلة الحياة - منتور عربي

وهنا نتوقف قليلا .. لأن الاتزان الطبيعي يختلف من بيئة لأخرى ، فبيئة الأثرياء دون علم تختلف كثيرا عن بيئة المتعلمين والمثقفين والعلماء ، وهاتان البيئتان يختلفان عن بيئة عامة الناس في المدن خارج العاصمة والمدن الكبرى ، وكل هذه البيئات تختلف عن بيئة ريفية أو بدوية أو صحراوية ، ولكل بيئة منهم قيمها التي تحافظ على اتزانها ، ولذلك من الإجرام والغباء أن يتدخل المثقفون ودعاة المدنية وقادة المؤسسات النسوية ، وبمنتهى الغباء والحماقة يطالبون البيئات الريفية أن تطبق عادات وتقاليد بيئات العاصمة والمدن الكبرى ، فالبنت تنضج مبكرا وتكتسب إمكانيات الأنوثة والأمومة قبل نظيرتها في المدن بسنوات ، ولذلك لو تأخر زواجها عن سن العشرين ، فستصبح في مجتمعها عانسا ويرفضها العرسان ، حتى ولو كانت تكمل تعليمها ، فالبيئة تفرض عاداتها وتقاليدها ، والتدخل فيها ومحاولة تغيير تقاليدها وعاداتها يفسدها ويدمر ترابطها ، ويهدد اتزان هذه البيئة وقدرتها على المشاركة في عملية الإنتاج القومي ، فالفلاح يحتاج للزواج مبكرا ومن زوجة صغيرة السن تشاركه حياته مبكرا وتلد له الأبناء والبنات مبكرا ، ولو تأخر سن زواج الفلاح فسوف تنتشر في القرى الانحرافات والعلاقات المحرمة وبالتالي جرائم الشرف وتتفكك البيئة الزراعية ، وهو ما يحدث بالفعل حاليا ، بعد غزو الفضائيات والتواصل الاجتماعي لحياة الريف ، فيسهر الفلاح ليلا ، ولا يستيقظ مبكرا ، فأهملت الزراعة وقل نتاجها واضطرت الدولة للتدخل ولو بتكليف لقطاعات إنتاجية في القوات المسلحة لسد النقص .

كيف تقضي يوماً ممتعاً في الريف المصري؟

وبمناسبة ذكر تغير العادات الاجتماعية ، لابد وأن نتوقف كثيرا لما ننزلق له من عادات اجتماعية قاتلة ، مثل عادة السهر والتي لا تمارسها إلا شعوب لا تزيد عددها عن اليد الواحدة في العالم ، فكل شعوب الأرض تنام قبل التاسعة يوميا ، إلا المصريين ، فشبابنا وكبارنا دوما ساهرين حتى الصباح خاصة في الأجازات وينامون طوال النهار ، وخلال الدراسة ينامون متأخرين مجبرين ويستيقظون مجبرين ، وبالتالي فلا عجب أن يكونوا فاقدي القدرة على الفهم والاستيعاب ، والأخطر أن ابنك الذي اعتاد السهر ، قد اعتاد أن يكون في أضعف أوقات قدرته الذهنية صباحا وحتى الظهيرة (موعد استيقاظه المعتاد) ، والعجيب أن فترة الصباح هي الفترة التي يمتحن فيها ، وبالتالي فمهما كان مجتهدا ومستوعبا لكل المناهج ، فهو لن يحصل أكثر من 70% ، لأنه يتم اختباره في فترة زمنية اعتاد أن يكون فيها عقله معطلا ومغلقا ، ولذلك نقول دوما أن اعتياد الطالب النوم مبكرا والاستيقاظ مبكرا لفترة لا تقل عن ثلاثة أشهر قبل الامتحان هو أهم بكثير من تحصيله لكل المنهج ، وأهم ملايين المرات من كل الدروس الخصوصية ، لأن قدرة العقل على استرجاع المعلومة وصياغتها ووضعها في روقة الإجابة صحيحة ، يعتمد على استيقاظ العقل وعدم إجهاده ، وعدم اعتياده النوم والكسل في تلك الأوقات ، وناهينا عن أن عدم النوم مبكرا يسبب تراكم الأكسدة في خلايا الجسم خاصة خلايا المخ ، لعدم إفراز الغدة الدرقية لهرموناتها التي تنظف الخلايا من الأكسدة خلال ستة ساعات من بداية الليل ، ويشترط لعملها هو نوم الإنسان دون إضاءة ، ولذلك لا عجب أن يتفشى الفشل الكلوي والسرطانات والجلطات بين الشباب .

لعشاق السهر.. النوم المتأخر يرفع خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني,  #صباح_النور #العربي_2 #ألوان_الحياة , @hibachehadehofficial كيف السهر بدّمر صحتك ونتائجك..💡

أخيرا … إذا شئنا التعامل مع منظومة الحياة بنجاح وسيطرة ، فلابد وأن نتوافق مع تردداتها بذكاء وعلم ووعي ، فليس من الذكاء أن تتحدى أمواج ناموس الخالق في بحور الحياة ، خاصة وأنت تعلم أنها ستقتلك مثل ما قتلت غيرك ، ولوكان ابن آدم ذكيا فسوف يعتني بجسده ، ولو كان متميزا فسوف يهتم بجسده ونفسه ، ولو كان رائعا فسوف يهتم بجسده ونفسه وترددات ناموس الخالق في حركة الحياة ، ولكنه أبدا لا يستطيع التوافق والتعامل مع كل شيء في نفس الوقت ، ولذلك فالخالق العظيم وضع لنا نظاما دقيقا ، ينظم حياتنا بدقة يبدأ من آذان الفجر ، كما تفعل الدول المتقدمة عندما يستيقظون فجرا ليبدأوا أعمالهم ، وجعل من مواقيت الصلاة تنظما دقيقا لليوم ، وكلما ابتعدنا عن هذا النظام كلما خسرنا كثيرا ، وفي الطعام قال لنا رسول الله (نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع) ، وقال لنا (صوموا تصحوا) ، وهذا ما يقوله العلم الحديث ، ولكننا اعتدنا على تجاهل الدين وإهمال العلم ، فتجد معظم أمراضنا من الطعام والامتلاء منه ، وأمرنا سبحانه بكثير من الأوامر الأخلاقية التي تجنب الإنسان كثيرا من التورط فيما يهدد حياته واستقرارها ، فأوامر الله ونواهيه ليست تضييقا على البشر بل قمة الحرية والأمان ، لأنها متوافقة مع كتالوج صناعة الإنسان وخلقه ، ودونها تفسد الصنعة ، وتدمر نفسها ومستقبلها ، وهو ما نراه يحدث اليوم بسرعة كبيرة .. وهو ما سوف نستعرضه لاحقا …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

رياح التجديد .. قادمة لا محالة (3) … بقلم : جمال عمر

توقفنا سابقا عند حقيقة أن رياح التجديد لابد قادمة لا محالة ، وذلك لأن المعروض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *