بعيدا عن هراءات السياسة ، واعتراض وشجب وتنديد القمة العربية الطارئة ومجلس التعاون الخليجي والمؤتمر الإسلامي بكل القرارات والتهديديات الصارخة ، وبعيدا عن الفرحة المصرية بالكونفيدرالية الأفريقية ، ثم أبطال أوروبا وخلافات "المشجعين الفيسبوكيين الأناتيخ" حول (مو صلاح) وعلاقته بلاعب إخواني سابق ، أو حتى صراعات الكرة بين القطبين والاتحاد المقترب بشدة من هاوية الحل أو الانحلال ، وبعيدا عن انسحاب المغرب من الاتحاد الأفريقي المتهم بالفساد ، ثم بلطجة أمريكا المسرحية للحصول على مزيد من الأموال الخليجية بأي ثمن ولو إيراني ، وزيارة ترامب لبريطانيا المرفوضة شعبيا ، وثبوت خيبات الأمل المتزايدة من صفقة القرن المزعومة ، واقتراب تحرير ليبيا ، ومحاولات الماسونية المستميتة لإشعال السودان والجزائر واليمن وسوريا والعراق وأفعانستان والصومال ولبنان ونيجيريا ، فكل هذا مستمر ومتباين ، ولم يفصح عن وجهه الحقيقي حتى اليوم .
ولكن الأهم .. أن رمضان قد مضى .. أو كاد خلال ساعات ، وكأنه كان حلما جميلا .. مر على نفوس فأثراها وملأ جنباتها سكينة ورضا وشجنا ورحمة .. وحنانا وتقوى .. ولا شك أنه قد مر على بعض نفوس أخرى حادا ساخنا منفعلا ، ولكن لا تستطع نفسيا أن تنكر مطلقا أن رمضان له عبقه وسحره ورونقه وروعة أجوائه ، شرطا أن يكون بعيدا عن الفضائيات التي ابتلعت عيون ومسامع وحواس الغالبية العظمى من المصريين ، خاصة الإناث والأطفال ، وليس بما تعرضه من دراما قيمة وهادفة ومفيدة ، ولكن بسيول الإعلانات وعروض إغراءاتها التي لا تنتهي ، ولكن .. يظل انفلات أيام رمضان من بين أيدينا ، مؤلم وموحش كعادته ، كانفلات الروح من الجسد .
وكعاداتنا الموروثة عن رمضان .. عندما تدخل العشر الأواخر من رمضان ، يكثر الحديث عن الاعتكاف وليلة القدر والتهجد وزكاة الفطر ، ثم الكحك والبسكويت وما يرافقهما من مخبوزات موسمية تأجج الفرحة وتعيد ذكريات زمن جميل "لأنه قد مضى" ، وخروجات العيد وزيارته ، وما يتعارض مع كل هذا من امتحانات لم تنتهي ، وأخرى لم تبدأ ، وطقوس أحزان لمرض أو وفاة قريب أو جار ، أو مراسم استقبال مولود جديد أصر أن يولد "صائما" في رمضان ، فكلها شئون دنيا ، تختلف مستوياتها وتأثيراتها من بيت لبيت ومن نفس لنفس ، فسبحان من خلق فسوى وقدر فهدى.
ولا أنسى .. أنني قد اكتشفت مبكرا ومنذ بدايات صباي ، أن هناك فارق كبير بين ما يريده الخالق لعباده وما يريدونه هم من أنفسهم وما يعتقدونه ، وذلك في أي موقف أو مكان وزمان خاصة في أيام النفحات الربانية الكبرى مثل رمضان ، فالبشر كانوا وما زالوا .. { أصحاب الضلالات المقدسة .. وصانعي المفاهيم المدلسة } ، فالله سبحانه وتعالى يريد من الصائم أن يؤنس أهل بيته بعد إفطاره ، لقوله تعالى .. {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }البقرة187، فلم يأمر الله مسلما مطلقا أن يتفرغ ويعتكف ويلتزم بصلاة التراويح (القيام) ، والتي ما صلاها رسول الله ، بل صلى مفردا ركعات مرتين متتاليتين ، فوجد الناس تصلي خلفه ، فامتنع ولم يصلها بعدها مرة أخرى ، بل قال (صلى الله عليه وسلم) عندما سأله الناس أن يعود ليصلي بهم بعد العشاء ركعات في رمضان ، لو صليتها لفرضت ، فالله شاء ألا تفرض صلاة القيام (التراويح) ، فما هي بسنة ولا فرض ، ولكن ضلال البشر شاء أن يصليها كفرض مسلم به ، بل ويضيف إليها بهتانا وضلالا جديدا بصلاة يسمونها صلاة التهجد حتى الفجر ، فيصبح المسلم في اليوم التالي نائما أو مغيبا منهكا ، فيتحول رمضان إلى شهر الكسل والنوم وتعطيل مصالح البشر ، وإذا كان رسول الله قد اعتاد شد المئزر وليتهجد في العشر الآوارخ من رمضان في بيته ، فلا تنسوا أنه رسول الله ومهمته التي بعث من أجهال ، هو تبليغ الرسالة الخاتمة ، فلابد أن يعتكف ليراجع القرآن مرة في كل رمضان ، ولا يعني مطلقا أن يتحول المسلمون جميعا لدعاء ودراويش ومشايخ وأمراء .
ثم يتكرر الجدال السنوي العقيم والذي يقوده جحافل الجهل السلفية المتنطعة ، بحتمية إخراج زكاة الفطر حبوبا (قمحا وشعيرا وتمرا وزبيبا) ، وكأنك تتحدث إلى رأس خروف أزرب ، لا يريد أن يفهم الحكمة من أي شيء ، فهو مقلد أخرق فيما يشدد على غيره من البشر ، شرطا ألا تمس رغباته وشهواته ومصالحه ، ولا تحاول إقناعه بأهمية وأفضلية المال لمتلقي الصدقة لاختلاف الزمان والمكان والظروف والنفوس ، فاستخدام العقل لديهم خطيئة كبرى قد تصل عقوبتها لاستحلال الدم ، حتى قال أحد مفتيهم .. " لا يعنينا الفوائد والحكمة ولا منطق العقل من الزكاة ولكن يعنينا الالتزام الحرفي بما كان يفعله الناس على عهد رسول الله ، وعلى التابع للجماعة السمع والطاعة ، فالعامة أمثاله ليس لهم أن يعملوا عقولهم ما دام له شيخا أو أميرا يرجع إليه .
و"كحك العيد" وما أدريك (بالياء) ما كحك العيد "تقليد رائع وتاريخي" ، وهو ليس موروثا من عهود الفاطميين مثلما يروج البعض ، بل هو تقليد مصري عتيق وقديم ومتأصل في جذور المصريين عبر التاريخ ، أضاف له الفاطميون بعضا من لمساتهم الشمال أفريقية ، ففي مصر يوجد لكل عيد ومناسبة لونا من الطعام بل والملابس والعادات والتقاليد ، علامات براقة وجميلة تسيطر على مشاهد الحياة اليومية ، وتحملها الذكريات موروثا متصلا عبر الزمان ، خاصة لو أكرم الله عائلة بامرأة ماهرة تجيد صناعة وإظهار وابداع هذه العلامات خاصة صناعة الأطعمة وزينة البيت ، في زمن تتحول فيه بيوت البعض منهن بعد الزواج إلى مزبلة مماثلة لغرفتها قبل الزواج ، ورحم الله أمهاتنا وأكرم مثواهن وتقبل منا الدعاء لهن ، فما نحن إلا تكرار لمن سبقونا من البشر ، سنظل نشكو من الأجيال الجديدة واعدام الأخلاق والدين والفهم ، وكأننا لم نكن أسوأ حالا منهم ، وقد ولدنا حكماء عالمين عاملين عاقلين منزهين .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
