رمضان .. وما أرداك ما رمضان .. هو شهر له عبق .. له أسرار .. وله رونق .. وفيه روعة .. تفوح بها روائحه عبر أيامه .. القصيرة السريعة ، وعندما تهل روائح رمضان وعبقه ، تفتح الذكريات أبوابها على مصراعيها ، لنذكر رمضان في مصر القديمة أو الفسطاط خاصة في رحاب جامع عمرو بن العاص ، والذي يعرف أيضا باسم «الجامع العتيق»، أو «تاج الجوامع»، ويعد أول مسجد أنشئ فى إفريقيا ، ورابع مسجد فى الإسلام، ، وبنى مسجد عمرو بن العاص عام 21 هجرية، الموافق 642 ميلادية، على مساحة 150 ذراعًا بـ«الطوب اللبن»، وفرش أرضه بالحصى، وغطى سقفه بجريد النخل، وكان له ستة أبواب ، وشارك فى تصميم هذا المسجد عدد من الصحابة، أهمهم أبو ذر الغفارى، واشترك فى تحديد قبلته ثمانون من الصحابة ، وعندما بنى مسجد عمرو بن العاص لم يكن له صحن، ولا محراب، ولا فرش، ولا مئذنة، ولم يدخل فى بنائه أى أعمدة رخامية فى عهد «عمرو»، وكانت جدرانه تخلو من الزخارف والبياض، وظل كذلك حتى عام 53 هجرية، وفى عهد معاوية بن أبى سفيان، أنشأ والى مصر مسلمة ابن مخلد الأنصارى «4» صوامع للمؤذنين فى أركان المسجد، بعد زيادة مساحته ، ونقش اسمه عليه ، وفرشه بالحصر، وأمر بإنشاء المنابر فى المساجد، ثم توالت أعمال التطوير على يد من حكموا مصر، حتى وصلت مساحته بعد عمليات التطوير المستمرة إلى (13.200)م2 ثلاثة عشرة ألفا ومئتين متر مربع .
ولابد أن نتذكر أهم أسطورة رمضانية منتشرة إفريقيا وعربيا عن جامع عمرو بن العاص والتي تكلم عنها الأجداد ، والتي تقول إن جامع عمرو بن العاص كانت مساحته ضعف مساحته الحالية ، وفى أحد الجمع الأخيرة من شهر رمضان "اليتيمة"، طار نصف المسجد بمن فيه من المصلين، واتخذ موضعا له فى الجنة، وأن النصف الثانى للجامع الموجود حاليا سيطير بمن فيه من المصلين، لذلك نجد تواجدا كثيفا فى يوم الجمعة الأخيرة "اليتيمة" من شهر رمضان بداخل المسجد، خصوصا القادمين من الدول الأفريقية ، وهو أحد أهم أسباب تدافع المصلين لجامع عمرو بن العاص في صلاة التراويح خاصة في الجمعة الأخيرة من رمضان .
وفي زخم الأساطير لابد أن لا ننسى مسجد الظاهر بيبرس في قليوب ، وما ارتبط به من قصص وحكايات شعبية منتشرة عن سراديب تمتد من هذا المسجد في قليوب إلى مسجد الحسين فى القاهرة، وجن يسكن آباراً مليئة بالكنوز، وشجرة جوافة تُشفى الأمراض ، وما زالت كل هذه الأساطير التى أحاطت طويلاً بمسجد الظاهر بيبرس، تجد من يُصدّقها فى مدينة قليوب ، وما زال بعض الأهالى يحلمون بدخول السراديب المظلمة ، والآبار المسكونة على أمل الفوز بـ«كنوز الظاهر بيبرس البندقداري» ، والذي مر على وفاته ما يقرب من 740 عاماً ، ولكن حفظ المصريون قصص انتصاراته من السيرة الشعبية الشهيرة «الظاهر بيبرس» ، ويُعد مسجد الظاهر بيبرس واحداً من أشهر المساجد الأثرية على مستوى مصر ، بوصفه شاهداً على واحدة من أهم الحقب التاريخية المهمة فى مصر، التى تصدّت فيها مصر لحملات الصليبيين القادمة من الشمال ، والتتار القادمة من الشرق ، فالمسجد بناه بيبرس تخليداً لذكراه عندما كان حاكماً لولاية قليوب، قبل أن يتولى حكم البلاد بعد هزيمة التتار، ومقتل الملك المظفر قطز.
وإذا ذكرت المساجد في رمضان ، فلابد وأن نذكر الجامع الأزهر ، حيث يعد جامع الأزهر أول عمل معماري أقامه الفاطميون في مصر، وأول مسجد أنشئ في مدينة القاهرة التي أسسها" جوهر الصقلي" لتكون عاصمة للدولة الفاطمية، وقد بدأ جوهر في إنشائه في (24 من جمادى الأولى 359 هـ = 4 من إبريل 970م)، ولما تم بناؤه افتتح للصلاة في (7 من رمضان 361 هـ = 22 من يونيو 971م ، ولم يكن يُعرف منذ إنشائه بالجامع الأزهر، وإنما أطلق عليه اسم جامع القاهرة ، وظلت هذه التسمية غالبة عاليه معظم سنوات الحكم الفاطمي، ثم توارى هذا الاسم واستأثر اسم الأزهر بالمسجد فأصبح يعرف بالجامع الأزهر، وظلت هذه التسمية إلى وقتنا الحاضر، وغدا من أشهر المؤسسات الإسلامية على وجه الأرض ، ويردد المؤرخون أسبابا مختلفة لإطلاق اسم الأزهر على جامع الفاطميين الأول في مصر، ولعل أقواها وأقربها إلى الصواب أن لفظة الأزهر مشتقة من الزهراء لقب السيدة فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، التي كانت الدولة الفاطمية تنتسب إليها، ومن ثم أطلق على جامع القاهرة اسم الأزهر؛ تيمنًا باسم السيدة فاطمة الزهراء .
وإذا ذكر الصيام فعل كل منا لا ينسى أول يوم صمناه صغارا ، وأول فانوس لرمضان امتلكناه منذ عقود طويلة ، وذكريات أغنيتنا الخالدة " حالو يا حالو .. رمضان كريم يا حالو " ، فلم تكن أيمنا زاخرة بكل تلك الألعاب والأشكال للفوانيس تغني وترقص وحدها ، بل كانت أجمل فوانيسنا من صناعة حرفي يسمى بالسمكري ، الذي كان طوال العام يصلح "بوابير الجاز" ، وقبل موسم رمضان يصنع فوانيسا من الصاج باللحام بالقصدير ، وأجنابها من الزجاج الملون ، تضاء بشمعة نشعلها داخله ، وتلسع أصابعنا كلما طال حملنا لها مضاءة ، ونحزن كثيرة عندما ينكسر زجاج نوافذها الجانبيية أو العلوية ، ولا ننسى أنه كان عندما يقترب رمضان ، تضاء كل المآذن ويفوح في الأفق عبق رمضان في كل شارع وحارة ، وتقام أفران لصناعة الكنافة والقطايف البلدي لدى كل محل وناصية ، وتنتشر ألوان المأكولات والمشهيات خاصة الطرشي والمخلللات ، وناهيك عن بعض أصناف الياميش التي ما كنا نعرف أسماء معظمها بخلاف الزبيب وحبال التين البرشومي وقمر الدين ، ويتفرغ كثير من الصغار لصناعة فانوس يدوي من الصفيح يضاء بشمعة أو ربما بالزيت وفتيل كتاني ، ويتبارى الأولاد في كشف الفاطرين من أصدقاءهم ، فقد كان عارا كبيرا أن يفطر الولد لأنه رجل .. ، ولا يجوز للرجال أن تفطر في رمضان مطلقا ، وما كان يملأ عقول ونفوس الناس إلا الراديو "المذياع" ، والذي كان من الكماليات ولا يملكه سوى ميسوري الحال والمقاهي ، وكان الإرسال في رمضان يستمر حتى صلاة الفجر ، في محطة القاهرة أو البرنامج العام ، ولما بعد الثانية عشرة في بعض المحطات القليلة مثل صوت العرب والشرق الأوسط ، وفي رمضان تلتف الآذان في كل مكان على أصوات معروفة ومشهورة وبرامج خالدة شكلت وجدان أجيال الأباء والأجداد في ذلك الحين وحتى يومنا هذا ، فصوت الشيخ محمد رفعت في آذان المغرب لا يقارنه شيئا ولم يتكرر ، وفوازير رمضان المقروءة كرباعيات شعرية ، ومسلسل ألف ليلة وليلة ، وسيد مع حرمه في رمضان ، وقرآن الثامنة ، وأحسن القصص بعد الثالثة فجرا .
ذكريات .. كنا نراها في حينها متعة لا تضاهى ، خاصة وأننا رغم حداثة عمرنا حينها كانت تعتمد علينا أسرنا وعائلاتنا لقضاء حوائجها سواء من السوق أو داخل البيت ، خاصة في بيوت العائلات الكبيرة التي تضم الجدة والعم والعمة والأبناء للجميع ، وكانت البيوت مقسمة لحجرات للنوم ومنادر للمعيشة واستقبال الضيوف ، وسلالم داخلية تنتهي بسطح به حجرات الخدمة مثل حجرات تربية الطيور وحجرة الغسيل وحجرة الفرن ، وما أدراك ما الفرن في رمضان ، فهو لا ينطفيء في رمضان مطلقا ، ففيه يصنع كل طعام العائلة ، بداية من الخبز والمقرمشات بكل أنواعها ، ومرورا بصواني الطعام والمحمر والمشمر ، وحتى صواني الحلويات والكنافة والبسوبوسة ، ويخدم الحركة في كل هذا أبناء البيت وبناته حسب الواجبات المقسمة بدقة وعدل ، فقد ربونا رحمهم الله أن لا نرفض خدمة أحد مطلقا ، لأن الله يحب العبد المعين لغيره ، ولأن الأيد " البطالة نجسة " على حد قولهم ، ولا أنكر أنني تعلمت واستفدت كثيرا بما كنت أعتبره أحيانا تعبا وهما ، بل وحظيت في المقابل بحب وتقدير كل أهل بيتنا الكبير خاصة أمي رحمها الله ، والتي ما زالت ذكرياتها الجميلة والغالية محفورة في قلبي وعقلي ، رحم الله كل أباءنا وأمهاتنا ، وبارك الله فيمن هم ما زالت بركات وجودهم تملأ حياتنا من حولنا ، وجعلنا الله بالفائزين برضاهم في أيام مباركات .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
