أزعجني كثيرا مثلما أزعج الكثيرين ما لاحظته من تجهم شيخ الأزهر في افتتاح مسجد الفتاح العليم وكنيسة السيد المسيح في العاصمة الإدارية الجديدة ، ولم أستطع تجاهل الموقف الواضح آثاره على وجه شيخنا الطيب ، ولم يعجبني تفاسير البعض بأن أسباب غضبه ربما تكون لقيام الدكتور أسامة الأزهري بإمامة الصلاة ، لأن هذا لا يليق بالإمام الأكبر وهو أعلم بأن الإمامة تكليف ومسئولية وليست تشريفا ، ولم يعجبني أيضا قول البعض أن الرجل يعاني من ضغط رئيس الدولة عليه لتغيير الخطاب الديني ، لأن رجل في مكانة وخبرة شيخ الأزهر يعلم تماما أن ما يدرس داخل أروقة الأزهر من تطرف في الأراء والفكر "تحت شعار العلم" ، هو السبب الرئيسي وراء تفشي الانقسام والفرق في الإسلام ، فالغالبية العظمى من كبار رجال التطرف هم من خريجي الأزهر وعلى رأسهم القرضاوي عضو هيئة كبار العلماء وشيخ التطرف في العالم ، وربما شيخ الأزهر بانتمائه للصوفية الأشعرية وانتماءات مساعديه المختلفة لا يملك شجاعة إعلان حقيقة حكم الله القاطع في الانتماء للفرق والجماعات بأنه شرك صريح بالله لقوله تعالى .. { .. وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } الروم 31 ، 32 ، ولذلك يعتبرون تجديد الفكر والخطاب الديني وتصحيحه هو تهديد خطير لامبراطوريات الكهانة والضلالات المقدسة فيعلنون أنه تهديد للدين ، والدين براء من كل ما يدعون.
ولا شك أن السواد الأعظم من المسلمين الواعين لحقيقة الدين يعلمون جيدا أن الإسلام قد جاء ليهدم امبراطوريات الكهانة والوسطاء في الدين ، فلا "رجال دين" في الإسلام ، ولا وسطاء ولا أوصياء ولا وكلاء لله على أرضه ، فلا شيوخ ولا مرشدين ولا أمراء ولا آيات لله من البشر ، ومع ذلك ما أكثر من ينصبون أنفسهم وساطاء و أوصياء و حكاما بأمر الله على البشر بين المسلمين .. في أخطر إعادة تكرار لأخطاء رجال الديانات السماوية السابقة بين المسلمين ، ليصدق فينا قول رسول الله "لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراع بذراع ، حتى إذا دخلوا جحر ضب لدخلتم خلفهم" .
ولم يقف الأمر عند ضلالة وجود أوصاياء ورجال للدين ، بل نتج عنها منطقيا انقسام المسلمين لأكثر من سبعين فرقة وجماعة ، فبرغم تحذير الله ونهيه المسلمين عن الفرق والجماعات وقراره سبحانه وتعالى بأنها شرك صريح بالله ، إلا أن الفرق والجماعات تفشت بينهم حتى تعدت السبعين فرقة ، بل وأصبح شيخ الأزهر منتميا لفرقة صوفية ومساعديه لجماعة الإخوان ووزارته زاخرة بالسلفيين الوهابيين والشيعة في تحدي صارخ لحكم الله في سورة (الروم 31 ، 32) ، وقول الله تعالى .. {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }الأنعام159 ، وحديث رسول الله " ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة وهي التي على ما أنا عليه وأصحابي" ، فما كان رسول الله سنيا ولا شيعيا ولا صوفيا ولا وهابيا ولا سلفيا ولا إخوانيا ولا .. ولا .. ، وما نراه اليوم من فرق وجماعات هو شرك صريح بالله أيا كان من يتبعها ، فهي ليست أكثر من "ضلالات مقدسة" لا علاقة لها بدين الله الواحد .
ولم تخل مظاهر الدين في زماننا هذا من ضلالات أخرى كبرى ومقدسة ، على رأسها ضلالة الضلالات والتي هي الأكبر والأخطر على المسلمين منذ قرون طويلة ، وكا أول من تزعم إطلاقها ونشرها من يسمونهم "علماء الشيعة" وهم أصلا من يهود فارس ، وليس هذا ادعاء بل حقيقة مؤلمة ، حيث زوروا معنى "العبادة" وحصروها في أداء المناسك والشعائر والفروض ، حتى أنه ما زال يدرس في الأزهر أن العبادات هي "الصلاة والزكاة والصيام وذكر الله والحج" ، مخالفين بذلك مفاهيم القرآن الثابتة والأصيلة ، فالله لم يسمي هذه الفروض والمناسك بالعبادات ولكنها سماها مناسك ونسك وشعائر ، وقال سبحانه .. {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ … }الحج67 ، بل وحدد سبحانه وتعالى لكل منسك أسباب فرضه ووظيفته التي فرض من أجلها ، فالصلاة وذكر الله فرضها الله لتنهى الإنسان عن الفواحش والمنكرات فقال سبحانه .. {.. إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ }العنكبوت45 ، وجعل ذكر الله الدائم ينهى أكبر من الصلاة ، والصيام فرضت حتى يشعر الإنسان بضعفه فيخشع ويخشى ربه لقوله تعالى .. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }البقرة183 ، وقال في الزكاة والصدقات .. {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا .. }التوبة103 ، والحج جعله الله انقطاع عن الدنيا لله في أيام معدودات لإعادة إعمار النفس وتقويمها ورفع مستوى خشية الله أو بمعنى آخر التزود بتقوى الله ، فقال سبحانه وتعالى .. {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ }البقرة197 .
فالمناسك والشعائر فرضها الله لضمان استقامة الإنسان في أداء مهمة العبودية التي خلقه من أجلها وهي إعمار الأرض كخليفة لله عليها ، والتي تنفيذها هو (العبادات) الحقيقية ، والتي من إعجاز الله في خلقه أن كل البشر مهما كان دينهم ومعتقداتهم يؤدونها بفطرتهم ورغبات نفوسهم ، ولأنها هي المهمة الوحيدة لابن آدم على الأرض ، فقد جعل الله مخالفتها تعمدا بالإفساد في الأرض كإعلان الحرب على الله ورسوله وجعل عقوبتها هي أشد العقوبات وأكبرها على الإطلاق فقال تعالى .. {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }المائدة33 ، وهي عقوبة لم يقررها سبحانه في أي ذنب أو خطيئة أخرى ، وذلك أن مهمة بني آدم على الأرض التي خلقهم الله من أجلها هي مهمة جليلة وعظيمة حتى أن بني آدم استحقوا عليها (سجود – استغفار – دعاء – حفظ) الملائكة .
بتزوير هذا المفهوم للمسلمين أهمل المسلمون "إعمار الدنيا" وتجاهلوا أكثر من 45% من آيات القرآن التي تحدد لهم الخطوط العريضة وأسس كل العلوم البحتة والخلق وجعلوه فرض كفاية "أي في المرتبة الثانية" ، وركزوا فقط على (3%) من آيات القرآن التي تمثل آيات الفروض والحدود والمعاملات ، وأسموه العلم الشرعي أي "المقدس" وجعلوه فرض عين على كل مسلم ، فتحول المسلمون من علماء عاملين سادوا الدنيا بالعلم والتقدم التكنولوجي إلى دروايش مؤمنين أن مهمتهم في الدنيا هي التقرب إلى الله بالمناسك والشعائر التي سموها زورا بالعبادات ، فتحولتهم مجتمعاتهم وبلدانهم التي كانت قبلة الدنيا للعلم والتقدم والنظافة والنظام إلى أسوأ بلدان الدنيا قذارة وفوضى وتخلفا ودروشة ، بعد أن تعلم منهم الغرب والشرق كل أساسيات الحضارة والتقدم والنظام والإتقان والروعة ، بل وحرص الغرب وحتى يومنا هذا على الحفاظ على المسلمين متخلفين ودروايش ، حتى نال "اللورد كرومر" وسام الشرف من ملك انجلترا لنجاحه في رفع عدد زوار الموالد إلى مليون زائر في سنة واحدة .
بل وصنعت الماسونية بجواسيسها للمسلمين فرقا وجماعات واستغلت بعض الخونة والجهلاء لتخترق مجتمعاتهم ، واعترف "مستر همفر" جاسوس بريطانيا للحجاز ومصر والعراق والأستانة أنه منذ عام 1710م وعلى مدى ثلاثون سنة قد نجح في تجنيد الإبن العاق لقاضي نجد "عبد الوهاب التميمي" ، وبرعوا في ابتداع جماعة الوهابية المتشددة التي اخترقوا بها مجتمع الحجاز ، ثم نجحوا في اقتطاع الحجاز من الدولة المسلمة باسم المملكة العربية السعودية ، ثم نجحوا بعدها في اختراق المجتمع المصري المسلم والأزهر بأخوية المسلمين على يد اليهودي "حسن البنا" ، وما زالوا يديرون الجماعتين ويراعون قياداتهما وأسرهم علنا ومع ذلك ما زال هناك من يصدق هؤلاء ، حتى قال رئيس المخابرات البريطانية السابق "عجبا لحماقة هؤلاء المسلمين والعرب ، يعلمون أننا صنعنا لهم الفرق والجماعات لنخترقهم ونصنع لهم إسلاما يناسبنا ، ويعلمون أن رسولهم وقرآنهم نهاهم عن اتباع الفرق والجماعات ، ومع ذلك ما زالوا ينقسمون ويتبعون فرقنا وجماعاتنا ، وكأننا أصبحنا عندهم أصدق من قرآنهم ورسولهم" .
وعجبا .. أن المسلمين ما زالوا يظنون أن تخلفهم نتيجة تقصيرهم في المناسك والشعائر والفروض ، فأضاف لهم مشايخهم كثيرا من الضلالات المقدسة في محاولة لنيل رضا الله ليرفع عنهم غضبه وسخطه ، ورغم أن المسلمين اليوم يعرفون من الفقه ويقرأون ويسمعون القرآن ويقيمون شعائر ومناسك أكثر من بعض صحابة رسول الله ، إلا أنهم ما زالوا وعبر قرون طويلة مضت يتقدمون دوما من سيء إلى أسوأ ، ولم يخطر ببال أحد من علمائهم أن يراجع المفاهيم الأساسية التي تم تزويرها في ضوء محاولة تجديد وتنقيح فهم القرآن الكريم ، وكيف يفعلونه وهم أسرى لمؤامرة إغلاق الفهم وتفسير القرآن على علماء ماتوا منذ عشرة قرون ، حتى أنهم يقفون رافضون لأي محاولة فهم أو تدبر أو مراجعة أو تصحيح للمفاهيم ويعتبرونه فسقا وزندقة ومحاولة لهدم الدين .
وأعتقد أنهم معذورون ، لأن تصحيح المفاهيم والعودة لمفاهيم القرآن الصحيحة سوف يفقدهم سلطانهم وقدورهم ووسوف يسقط امبراطورية الكهانة التي بنيت في ألف سنة "كرجال للدين وحماته وحراس العقيدة" ، رغم أنهم يعلمون يقينا أنه لا "رجال دين" في الإسلام ، ويدرسون لطلابهم أن الإسلام جاء ليمحو الكهانة ويقضي على سلطة رجال الدين ، ولكنهم على أرض الواقع يعتزون بأنهم رجال الدين وعلماؤه ، ولديهم هيئة ذات سلطة مستقلة مقدسة لا تمس ولايجوز الاقتراب منها أو محاسبتها دينيا أو علميا والأهم والأخطر أنه لايجوز محاسبتها أو مراقبتها ماليا ، خاصة وأنهم يديرون ثروات الأوقاف التي تعدت أكثر من تريليون دولار ، وعوائدها الشهرية بالمليارات دون حسيب أو رقيب ، فما الفارق بينهم وبين كهنة المعابد والكنائس في أي عصر أو دين ؟؟؟
ولاشك أن رحلة البحث في الضلالات المقدسة طويلة خاصة وأن المسلمين قد طمس لديهم هذه المفاهيم الأساسية والخطيرة ، وكفاهم أنهم نسوا أو تجاهلوا أن الإسلام دين لايقبل أوصياء عليه ولا حامي له ولا ضامن له ولا وكلاء لله على الأرض ، فخضع كثير من المسلمين لسلطات الأمراء والمرشدين والمشايخ والآيات ، وبناء على هذا التزوير ظهرت مئات من الضلالات المقدسة التي تحكمت في المجتمعات المسلمة وأسقطتها في مستنقعات التخلف ، واستغلها كثير من الخونة والأعداء مرارا على مر التاريخ ، ولا عجب أن نرى بعض علماء الأزهر يتباهى أنه العالم العلامة الذي لا يبارى ولم يكن له مثيل في التاريخ ، وكلماته واكتشافاته المعجزة تقدر بالمليارات ، فقط .. لأنه يمتلك ذاكرة فوتوغرافية تحفظ ما يقرأه بالكلمة وبالصفحة ، متجاهلا أن ملكة الفهم وملكة الحفظ دوما تتناسبان عكسيا ، فضلا عن سقوط ملكة الفهم والحكمة لدى ابن آدم عقابا له عندما يظن أنه أعلم الناس .
ولا عجب أن السواد الأعظم من علماء الدين المعاصرين يعانون من تخبط وحيرة شديدة أمام زخم التطرف والتسيب والإلحاد خاصة وأنهم ليس لديهم ما يقنع أجيال الشباب بالعقل والمنطق ، وفقدوا القدرة على التواصل معهم فتقوقعوا وتربصوا واتسم خطابهم بالعدوانية والتربص ، فأصبح كثير منهم محل سخرية واستهزاء وتجاهل ، وما زالوا مصرين أنهم على الحق المبين .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
