الضعف والاحتياج .. ناموس الخالق في خلقه (1) .. بقلم : جمال عمر

 

لا شك أن الضعف والاحتياج هما ناموس الخالق في فطرة خلقه ، وهما سر استمرار حركة الحياة ، ولذلك فالتعاون ذكاء ونماء بينما العداء غباء وفناء ، تلك حكمة رأيتها دوما واضحة في حركة حياة البشر التي عاصرتها عقودا طويلة مراقبا ومقيما لحركات حياة المخلوقات من حولي ، فلولا وجود التباين بين مفردات الطبيعة المجردة ما بين القوة والضعف لتوقفت الحياة ، فالرياح تتحرك من المناطق صاحبة الضغط المرتفع إلى مناطق الضغط المنخفض ، واستمرار حركة الرياح تولد خلفها وفي مسارها مناطق أخرى أخرى منخفضة الضغط لتتوالى حركة الرياح في منظومة دقيقة ومستمرة ، لتولد السحاب وتلقحه فتسقط الأمطار و، وتحمل حبوب اللقاح بين النخيل والأشجار ، ولولاها لتوقفت حركة مياه البحار والأنهار ، فلولا الضعف والاحتياج لتوقفت حركة حياة المخلوقات وأبسطها أنه لولا الضعف الذي يولد شهوة الحاجة للتكامل ما التقى الذكر لأي مخلوق بالأنثى وما تولدت منهما حياة جديدة .

ولا شك أيضا أن الضعف والاحتياج ليس مقصورا على المستوى الأفقي فقط  والذي تمثله حركة التزواج لاستمرار الحفاظ على النوع بالاستخلاف بين المخلوقات ، ولكن هي أيضا في الاختلافات والتباين بين قدرات ومهارات المخلوقات والتي تستوجب التكامل ، والتي نراها بوضوح بين البشر في تباين القدرات العقلية والجسدية من إنسان لآخر ، فيظل كل إنسان في حاجة مستمرة للاستعانة بمهارات وقدرات غيره ، ثم تباعا في اختلاف قدرات المجتمعات والأمم ليستمر ناموس الحاجة للتعاون والتكامل من أجل التطور البشري للأفضل ، وهو ما نسميه بالمستوى الرأسي لنتاج الضعف والاحتياج ، وبالتالي فالتكاثر بين البشر يمثل المستوى الأفقي لناموس الضعف والاحتياج من أجل الحفاظ على النوع ، والتقدم الإنساني يمثل المستوى الرأسي من أجل التطور البشري للأفضل ، وكلاهما يعتمد على الدوافع الفطرية لناموس الخالق في خلقه وهي الضعف والاحتياج .

وبالرغم من تخيل البعض أنه لا فرق ما بين الضعف الاحتياج ، وبالرغم أن الضعف هو المحرك الفطري للشعور بالاحتياج ، إلا أنه هناك فارق كبير بينهما خاصة مع النفس البشرية ، فكثير من النفوس تجد في ضعفها دافعا قويا لرفض الاحتياج ، سواء تكبرا أو غرورا أو رغبة في معاقبة النفس وتعذيبها ، فضلا عن الأساس النفسي للبشرية وهو الرغبة الدائمة في الشعور بالقوة والسيطرة على النفس وشهواتها ورغباتها الملحة لتوجيهها للعمل في إطار الدين والأعراف أو القانون ، وإلا تحول الإنسان لحيوان أسيرا لشهواته ورغباته تلبية لضعفه واحتياجه المباشر ، ولذلك فمعظم مشاكل الإنسان تقع في معضلة التوفيق ما بين ضعفه الدافع لشهواته وبين ومشروعية احتياجه لما يشتهيه ويرغب فيه ، ففطرة النفوس أنها ضعيفة أمام بريق ومتع المال والجنس والشهرة والسلطة والقوة والخلود ، ولكن يختلف تلبية الاحتياج وبالتالي السيطرة على الرغبة والشهوة في الامتلاك تبعا لطبيعة كل نفس وظروفها ونشأتها وبيئتها .

ولذلك لا يستطيع أي قانون بشري مخالف لناموس الخالق في خلقه أن يضبط منظومة العلاقات في حركة حياة البشر ، خاصة لو علمنا أن خالقنا جعل في منظومة الخلق المادية لأجسادنا توافقا عجيبا مع ناموس الخالق في خلقه للكون ، فمثلا .. وجود أكثر من بصمة جينية واحدة لرجل في جسد إمرأة نتيجة معاشرتها  لأكثر من رجل واحد بدون فترة تطهر لا تقل عن ثلاثة شهور بينهما ، تسبب تدميرا ذاتيا لخلايا جسدها بأمراض متعددة أشهرها السرطان ، بل والأعجب أن إحساس الإنسان بعدم أحقيته في امتلاك شيء يجعله فاقدا لقدرته على استخدامه أو التمتع به لو أخذه دون وجه حق ، وبالرغم أنه شعور نفسي ولكننا ننسى أن الإنسان في الأصل مجرد نفس منحها الله جسدا تتحكم فيه وتمارس به حركة الحياة على الأرض ، ولذلك فهي صاحبة الأوامر الحاسمة في حياة هذا الجسد ، وهو ما نراه واضحا في سرعة مرض ووفاة إنسان بعد فقده لعزيز أو حبيب أو حتى الهدف أو الأمل من حياته ، والسبب بسيط وهو أن نفسه قد أصدرت أوامر بالتدمير الذاتي للجسد إحباطا أو حزنا أو يأسا ، والذي يعتبر حقيقة انتحارا يعاقب عليه الخالق ، ولذلك تنهى الأديان السماوية جميعها عن اليأس والحزن والإحباط ، بل تنهى الإنسان أن يتسبب في ذلك بالحديث عن الأشياء السيئة "فليقل خيرا أو ليصمت" ، ولذلك تعد أبرز قواعد الطب أن الصحة النفسية للمرضى بالغة الأهمية لتحقيق الشفاء .

ولا يتوقف الأمر عند حدود متعلقات واختلافات ومعضلات الضعف والاحتياج المجردة وتعدد الأسباب والمشروعيات وأساليب معالجة الإنسان لها عبر تاريخه ، بل يتداخل في حياة الإنسان عوامل لا حصر لها نفسيا وجسديا متأثرة بقيود حركة الحياة التي تحكمها الظروف والبيئة والنشأة ومستويات تطور أو تدهور أساليب الحياة من حوله ، وهو ما يجعل الأجيال الحديثة في نظر الأجيال السابقة لها ، لديها حالة من التبلد واللامبالاة وفقدان الاتجاه والاعتراض والرفض لكل ما هو تقليدي أو معروف ، وذلك لعجز النفوس عن استيعاب التناقضات أو فهم ناموس الخالق في خلقه ، سواء للفشل في التربية ، أو العجز المتزايد عن مواكبة فكر وثقافة الأجيال الجديدة ، وليس هذا بالغريب بل هو ناموس التعامل بين الأجيال منذ آدم وحتى اليوم ، فلم يحدث مطلقا أن رضى أي جيل من البشر عن الأجيال التي تأتي من بعده ، وذلك بسبب الفشل النفسي في التوفيق ما بين الفهم والتعامل مع اختلافات صور ومستويات تأثيرات الضعف والاحتياج بين الأجيال ، ولذلك نجد اختلافا كبيرا في ردود أفعال الأجيال المختلفة تجاه المؤثرات والمواقف والمشاهدات في اي مجتمع ، وهو ما يستدعي أهمية وجود مرجعية المقدسات التي تجبر الجميع للتوقف عندها سواء كانت هذه المقدسات هي عادات وتقاليد مقدسة أو عقائد دينية تتراجع عندها النفوس وتقف عند حدودها .

ولا شك أن القوانين البشرية قد أثبتت فشلها الذريع في حل معضلات الضعف والاحتياج بين البشر ، وأكبر براهين ذلك هو ما نراه في الغرب ، حيث أطلقوا العنان للحرية الجنسية للتغلب على مشكلات العمل والإنتاج الجانبية ، وتحديا لسلطان قيود الكنيسة التي اكتشفوا فسادها وفشلها في تحقيق التوازن بين الضعف والاحتياج ، فكانت النتيجة كارثية تهدد بقاء الإنسان قبل حضارته ، فتفشت الأمراض النفسية والجسدية الخطيرة في مجتمعات الغرب المتقدمة ، أبسطها الانتحار والشذوذ والاغتصاب وأشدها ظواهر تجارة البشر والخطف والقتل المتسلسل والتعذيب وأكثرها انتشارا بين الشباب هو "الإيدز" والأمراض الجنسية المختلفة ، حتى أن الإحصاء الرسمي لعدد المصابين بالإيدز في العالم في بدايات القرن الواحد والعشرين  كان قد تخطى (35) مليون شخص ويحتل الشعب الأمريكي المرتبة الرابعة في العالم بعد جنوب إفريقيا والهند وكينيا ، ونتيجة لحالة الهلع التي انتشرت حينها ، تم التوقف تماما عن إعلان حقيقة الزيادة السنوية للمصابين ، والتي تقدر  بأكثر من 10 % سنويا ، مما يوحي بأن عدد المصابين قد يتخطى نصف سكان الكرة الأرضية ، وهو ما ينذر بكارثة محققة في خلال العشرين سنة القادمة ، لتفاقم الشذوذ والانحلال تحت ظلال الحريات المزعومة .

ولذلك تعترف كل مؤسسات الفكر والدراسة العالمية بأن التفكك الأسري الناتج عن الحريات رغم بساطة حدوثه وتقبله ، لكنه من أخطر السلبيات المنتشرة في الغرب ، حيث أصبح من النادر أن يعرف الإبن أو الأبنة من هو الأب الحقيقي لهما ، وفي زخم الدراسات الاستراتيجية الألمانية والأمريكية المشتركة لتأثير التغير المجتمعي على تنشأة الأجيال أكتشفوا أن معدل إفراز العلماء بين الأطفال في الغرب قد بلغ ببداية القرن الواحد والعشرين (ثلاثة في المليون) ، بعد أن قبلها بخمسين سنة يزيد عن ( خمسة في الألف) ، كنتيجة مباشرة للخلل والتفكك الأسري ، ولذلك ليس عجيبا أن نعلم أن الماسونية العالمية التي تحكم الغرب منذ قرون طويلة قد نجحت مؤخرا في مخططاتها لاختراق المجتمعات الملتزمة في الشرق على وجه الخصوص لتنقل لها هذا التفكك الأسري تحت شعارات الحرية والتطور والتقدم وحرية المرأة والمساواة ، بل وتجاوزت هذه المراحل لتعلن عن وجهها القبيح في بلاد الرسالات السماوية بين المسلمين والمسيحيين بدعوات مثل "الأم العزباء" ، وحريات العري وممارسة الجنس بل وحرية الشذوذ ، فرأينا أكبر معقل للشواذ والدعارة في أوروبا يتمركز في تركيا المسلمة ، وتسلل ذلك بالتالي لكل الدول العربية والمسلمة ، فأصبحت دولا عربية بعينها من الدول التي تكافح أمراضا مثل الإيدز بعد أن كانت منذ سنوات قليلة دولا خالية من الإيذز .

فالأسرة هي عماد تربية وتهذيب وتعليم الأجيال ، فتربية طفلك هي موازنة واعية بين احتوائك لضعف جسده وبين مساعدته في تلبية احتياجات نفسه لإثبات وجوده ومعاونته في زيادة قدراته عبر سنوات عمره دون التجاوز في حقوق الآخرين ، وبالتالي فأي خلل في تلك الموازنة سوف ينتج عنه عاهة نفسية لطفلك أخطر عليه آلاف المرات من العاهات الجسدية ، لأنها سوف تكون دافعا قويا لانحرافاته عبر حياته ، ولذلك فمهمة التربية للأطفال هي أخطر مهمة على الإطلاق في تاريخ وحياة البشر ، ولذلك عندما أهملناها وظننا أننا نستطيع استعواض غياب الأم للعمل بالحضانات والمربيات والمدارس الداخلية وشبه الداخلية والخاصة والدولية ، فقدنا الإتجاه وساءت نتائج التربية والتعليم للأجيال ، وارتفعت معدلات الفشل والطلاق والانحرافات تباعا بين الأجيال ، ولا حجة لنا فيما فعلناه بأيدينا ، ولا حق لنا أن نشكو منه اليوم ، ولا أمل لنا في أجيال قادمة محترمة وواعدة سوى بالعودة لأصول وقواعد ناموس الخالق في خلقه ، ولابد لمن يريد أن تكون حياته ذات قيمة ، أن يفكر كثيرا ويتعلم ويفهم ويتدبر ثم يقرر استرتيجيته الخاصة في حياته للموازنة ما بين العبرة من رغبات وشهوات الضعف وصحة وسلامة مشروعية الاحتياج قبل فوات الآوان .

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

الأنثى العقربوطية …. بقلم : جمال عمر

سامحوني أولا قبل الخوض في هذا الموضوع الشائك ، خاصة وأنه يتعلق أساسا بالأنثى ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *