الاتزان الكوني والشفرة الإلهية (9) …. بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
26 أكتوبر، 2025
اراء ومقالات, الشئون الدينية, المقالات والرأي, متنوعات
437 زيارة

توقفنا سابقا عند حقيقة أننا بدأنا ندرك .. أن منظومة خلق الإنسان هي أحد المنظومات الدقيقة من منظومة خلق الله للكون كاملا ، وأن هذا الكون له شفرته الخاصة والموحدة والمتحكمة في جميع مخلوقاته ، ولا حيلة لمخلوق لتغيير أو مخالفة هذه الشفرة ، أو اختراقها ، ولكن أقصى ما يمكن لبشر أن يفعله هو محاولة مخالفة قواعد المنظومة ، فيسقط في مستنقع الإضرار بنفسه ومن حوله ، حيث يتلقى العقاب السريع في حياته من فشل ومرض وشقاء وخسارة ، وذلك لا يغني ولا يمنع العقاب في الآخرة لو مات مصرا على خطأه دون أن يتوب ويستغفر ويصلح ما أفسسده ، لعل الله يغفر له ما قدمت يداه ، ولعله يوما يستطيع في رحلة أخرى أو قادمة أن يصلح ما أفسده ، فالنفوس تتعلم وتحمل دوما ميراثا تاريخيا نفسيا لا يزول ولا يتلاشى لمجرد مغادرة الجسد للوفاة ، ولكن يتزايد الميراث التاريخي للنفس عبر رحلاته المتتالية في الدنيا ، وعبر الأبعاد الزمنية المختلفة .

ولعل كثير منا يلاحظ ظاهرة الميراث التاريخي في سلوكيات الأطفال ، وذلك عبر مراقبة تفاوت قدرات الفهم والوعي بين الأطفال المولودة اليوم ، وبين من ولدوا منذ عشر سنوات أو أكثر ، ويتضح ذلك جليا لدى كبار السن ، ومن رأوا أطفالا منذ عقود كثيرة مضت ، ويتعاملون حاليا مع الأطفال ، فيجدون أن أطفال اليوم أكثر وعيا وأسرع فهما لطبيعة الحياة ومتطلباتها ، ولا علاقة لذلك بقدور الذكاء ، ولكننا أحيانا نشعر أن هذا الطفل قد ولد من قبل مرات ومرات ، وتلك هي حقيقة لا افتراض ولا خيال ، فكل من على الأرض اليوم قد ولد من قبل مرات كثيرة ، وميراثهم التاريخي أكبر بكثير ممن ولدوا منذ سنوات أو عقود أو قرون ، فالنفوس لا تذكر تفاصيل من حيواتهم السابقة ، ولكن النفوس تحمل داخلها ذاكرة للمفاهيم والمعاني ، متزايدة بعدد مرات الحياة على الأرض ، ولذلك سوف تجد طفلك اليوم واعيا لطبيعة العلاقات الإنسانية ويجيد التعامل بمهارة نفسية أفضل بكثير منك حينما كنت طفلا .

ولعل أهم ما يثبت حقيقة الميراث التاريخي النفسي للبشر ، أن الرسالات السماوية لبني آدم قد تم إنزالها تدريجيا لتتناسب مع تطور الميراث النفسي التاريخي للبشر ، بداية من تحريم بعض الأشياء والأفعال جاءت متدرجة ، حتى الحدود والعقوبات على الخطايا والذنوب نزلت متدرجة ، وهو ما نلاحظه مثلا .. في عقوبة الزنا للمحصن والتي كانت في التوراة (الرجم حتى الموت) ، ولكن باكتمال الميراث التاريخي النفسي للبشر ، تم تعديلها للجلد لتكون (مائة جلدة) في القرآن العظيم ، وكذلك المسموح بالزواج منهن كانت حتى عهد نبي الله إبراهيم مسموح بالزواج من الأخت غير التوأم ، ولم تحرم إلا في التوراة ، وكذلك العمة والخالة ، كما أنه لم يحرم زواج الربائب (ابنة الزوجة) إلا في الرسالة الأخيرة (القرآن العظيم) ، وبالطبع كان ذلك مراعاة من الخالق العظيم لمستويات تطور الميراث التاريخي النفسي للبشر ، فمستوى الوعي النفسي للبشر عبر الزمن يتطور تماما مثل تطور وعي الإنسان منذ ولادته وحتى بلوغه سن الرشد ، حيث بلغت البشرية رشدها في عهد خاتم الرسل وهو ما سجله سبحانه في كتابه العزيز على لسان الجن فيتعليقهم على سماعهم القرآن .. بقوله تعالى .. {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً }الجن10 ، وبالتالي فقدور الوعي والعلم الإنساني قد تزايدت عبر الزمن حتى وصلت لما نحن عليه الآن ، مقارنة بما كان البشر عليه منذ قرون طويلة مضت .

وإذا كان الإمام الشافعي منذ عدة قرون مضت قد غير معظم فتاويه في الفقه في أقل من عشر سنوات بعد وصوله لمصر واستقراره بها ، وقال قولته المشهورة { اختلف الناس والزمان والمكان فاختلفت الفتوى) ، فكيف يصر فقهاءنا اليوم على تطبيق فتاوى زمن مضى بنيت على فهم محدود بالزمان والمكان والبيئات في حينها ، ويريدون تطبيقها قسرا على المسلمين في عصرنا الحالي ، فالبشر اليوم أكثر وعيا وأسرع فهما وأسرع حركة وتنقلا واختلافا وجدلا ممن سبقهم في زمن الفتاوى والعلم المنقول ، ولذلك فكل الفقه يحتاج لتدقيق وتنقيح وتحقيق قبل أن نفرضه على المسلمين ، فنخسر الولاء والالتزام ويصبح الدين هو المتهم ، ثم نعود لنشكو من الانحراف والشرك بل وظهور الإلحاد بين المسلمين ، فنعيد تكرار ما حدث مع المسيحية مرة أخرى ، والتي نتيجة الجمود والتحجر تحولت لطقوس وشعارات لا يؤمن بها حتى رجال الدين أنفسهم ، وتفشى الفساد بشراسة في دور العبادة في أوروبا وأمريكا وما يتبعها من مدارس ملاجيء ومؤسسات ، دفعت بابا الفاتيكان الأسبق لإقرار محاكمة الأساقفة ورعاة الكنائس بعد ضبط وتوثيق المباحث الفيدرالية لجرائم بشعة تمت باسم الدين .

ولا شك أن الفساد والانحراف هو نتاج طبيعي للضلال البشري ، كما أنه يعد من أهم وأخطر أسلحة تصحيح مسارات الاتزان الكوني ، لأن ابن آدم لا ينتبه إلا لو حدثت مشكلة أو كارثة تهز أعماقه بعنف ، فيتوقف ويراجع نفسه ، ويبدأ التغيير للأفضل ، ولكن الأمور في بعض دول الغرب وأمريكا دخلت بالفعل لطريق اللاعودة ، حيث بلغ بهم الانحراف بتقنين الشذوذ وتشجيعه ، وهو ما يوقعهم في سخط الله ، ووجوب عقابه الأزلي بالدمار والزوال ، وهو قادم لا محالة ، فدمارهم هو بالفعل أحد تراتيب الاتزان الكوني للخالق في خلقه ، ولعل باقي البشر يعتبر ويفيق ويعود لصراط الله المستقيم ، وربما تكون هي تراتيب النهاية لاستخلاف الجنس البشري على الأرض ، ولكن ذلك لن يكون في غضون سنوات ، لأن ملامح الاتزان الكوني تقول بأن ذلك قد يستلزم قرونا قادمة قبل النهاية المحتومة لاستخلاف البشر ، فتراتيب حركة الحياة على الأرض لها ملامح لابد وأن تكتمل ، ولابد لأجيال أخرى قادمة أن تشهدها ، وتعيش تطورها قبل النفخ في الصور ، وإعلان نهاية الاستخلاف لبني آدم على الأرض .

ولذلك فمن إعجاز خلق الله للإنسان أن ضلالاته نفسها تعد أحد أدلة وجود الاتزان الكوني في خلق الله ، وذلك أن طفلك الصغير عندما تحرمه من شيء ، فإنه يتكدر ويغتم ويصيبه الإحباط فيهرب من واقعه بالنوم ، ليحلم بأنه قد نال ما يريده ، فيحدث له بعض الاتزان المطلوب ليستكمل حياته بالأمل ، وكذلك يفعل البشر عبر حياتهم مع اختلاف الوسيلة ، ووعبر التاريخ فإن أيسر السبل لتجاوز الإحباطات هو تأليف الأساطير التي تحمل الأمل في غد أفضل ، حتى في المسائل التي يعلم ابن آدم أنها مستحيلة ولن تتحقق ، فإنه يؤلف الأساطير عن الأبطال (السوبر هيرو) ، بداية من أساطير آلهة الرومان ، ومرورا بأساطير القديسين في التاريخ المسيحي ، ووصولا لسوبر مان وبات مان وسبيدر مان وغيرهم من أساطير بشرية تهدهد النفوس وتلملم إحباطاتها ، رغم علمهم أنها أساطير لن تتحقق ، ولكنها تداوي النفوس وتحدث توازنا يسمح للنفوس بتجاوز الإحباط واستكمال الحياة ، والبعض يجد اتزانه في الانتماء لجماعات هو يعلم في نفسه أنهم لصوص وتجار دين ، ولكنه يداوي بهم بعضا احباطاته ويرسم بهم الأمل ليستكمل رحلة حياته ، ولا نقول بأن ذلك هو الحق والصواب ، لأن الصواب هو فقط في أن نعرف الحقائق ، ونعترف بها كما هي ولا نحاول فرض أساطير الضلال على أنها الدين والحقيقة .

وأول الحقائق التي يجب أن لا تغيب عن ابن آدم ، أنه جاء للدنيا ليتم اختباره من خلال مهمة الاستخلاف على الأرض ، ومهمته عليها هي إعمارها بالعلم والعمل والكد والكدح ، وتلك هي العبادة ، ولأن صاحب الاختبار والمراقب والمحاسب هو الخالق العظيم ، فالاختبار هو نموذج فريد للعدل بين العباد ، فكل إنسان يأتي للحياة هو من (عباده) ، لأن العبادة هي إعمار الأرض (آداء المهمة التي خلقهم من أجلها) ، ومن العدل أن يجعل سبحانه العبادة فطرة في النفوس ، فالكل يريد أن يحيا بأفضل من غيره وممن سبقه ، وفي ذلك عمار وتطور للحياة على الأرض ، وهو عين (العبادة) ، ولأنه سبحانه (العدل) فقد جعل لكل نفس اختبارات متعددة ومتتالية حتى لا تشعر نفس أنها قد ظلمت في اختبارها ، وحتى لا يكون لنفس يوم القيامة حجة على الله ، ومن روعة العدل أن النفس بطبيعة خلقها تجيد التكيف مع أي جسد تدخله ، فلو دخلت جسد ذكر فسوف تتأقلم وتحيا به (كرجل) ، ولو دخلت جسد أنثى فسوف تتأقلم وتتعايش به (كأنثى) ، ولذلك فلا مانع أن يأتي للدنيا كذكر مرات ، ويأتي كأنثى مرات أخرى ، وفي كل مرة يختبر في مواقف واختبارات مختلفة ، وهو ما أوضحه تفصيلا سبحانه لقوم مستضعفون بقوله تعالى .. {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ }يونس14 ، ولكي يفرق بين تكرار الحياة وبين استمرار الاستخلاف قال سبحانه .. {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام165.

فلفظ (خلائف) فيه تكرار الاستخلاف للبشر المخاطبين ، وقوله تعالى (لننظر كيف تعملون) .. قرار من الحق بأنهم سوف يكونوا مختبرين في استخلافهم من بعد القوم الجبارين ، وهناك عشرات الآيات التي تؤكد عودة النفس للحياة في أجساد مختلفة ليتم استكمال اختباراتها ، ولولا تكرار الاختبارات ، لكان من الظلم أن تختبر كل نفس في حالة وحيدة ولمرة واحدة ، وتلك هي الأكذوبة التي أقنع إبليس بها الغالبية العظمى من البشر ، ليسهل فسادهم وانحرافهم ، ثم صور لهم خرافات وأساطير ليعالج الضلالات بضلالات أخرى ، فاستقر في نفوس المسلمين بوجود حياة في القبور ونعيم وعذاب في القبور ، ولو كان لدى المصدقين ذرة من منطق وفكر ، لاكتشفوا أن ذلك مستحيل لأن الله القادر على كل شيء ، من الأولى أن يعيد النفس للحياة في جسد آخر مرات ومرات ، بدلا من منحه حياة ونعيما وعذابا في القبور ، وكيف يعذب من في القبور التي لا تحوي سوى أجسادا بالية تتحول إلى تراب ، بل ومعظم تراب الأرض التي نسير عليها كان يوما جزءا من أجساد البشر والحيوان والنبات ، ولذلك تعد فكرة حياة القبور من أغبى الخرافات والضلالات الإنسانية . ويستتبعها بالطبع حالات حماقة تمجيد أجساد الموتى والعناية بها ، ودفن أشياء معه ، ظنا أنه في حاجة لهذا الجسد البالي عندما يعود للحياة ، وكان أولى أن نعلم أن الخالق العظيم عندما يعيد نفسا للحياة فسوف يمنحها جسدا جديدا كم منحها من قبل .

وأخيرا .. لا شك أن هذه الضلالات والأساطير لا يستفيد منها سوى إبليس ، الحريص على إضلال البشر ، وافقادهم الاتزان والتوافق مع الكون المحيط بهم ، ورغم ذلك فالشفرة الإلهية المسيطرة على خلق الله وحركة حياتهم ، هي دوما قادرة على رد البشر وتقويم أحوالهم عبر الزمن ، حتى ولو كان التقويم فيه إهلاك وهلاك بعض البشر ، ليعتبر غيرهم من المنحرفين والضالين بغير علم ، فالشفرة الإلهية هي شفرة معجزة وشاملة في السكون والحركة ، وفي الموت والحياة ، والصورة والأصل ، وبالتالي هي عنصر التوازن في كل علوم الله للبشر ، بداية من علوم الكلام الأدبية ومرورا بعلوم الفيزياء والطب والكيمياء والفلك والهندسة وحتى علوم السحر وخوارق الطبيعة ، .. وهو ما سوف نستعرضه لاحقا …
جمال عمر