الاتزان الكوني والشفرة الإلهية (9) …. بقلم : جمال عمر

توقفنا سابقا عند حقيقة أننا بدأنا ندرك .. أن منظومة خلق الإنسان هي أحد المنظومات الدقيقة من منظومة خلق الله للكون كاملا ، وأن هذا الكون له شفرته الخاصة والموحدة والمتحكمة في جميع مخلوقاته ، ولا حيلة لمخلوق لتغيير أو مخالفة هذه الشفرة ، أو اختراقها ، ولكن أقصى ما يمكن لبشر أن يفعله هو محاولة مخالفة قواعد المنظومة ، فيسقط في مستنقع الإضرار بنفسه ومن حوله ، حيث يتلقى العقاب السريع في حياته من فشل ومرض وشقاء وخسارة ، وذلك لا يغني ولا يمنع العقاب في الآخرة لو مات مصرا على خطأه دون أن يتوب ويستغفر ويصلح ما أفسسده ، لعل الله يغفر له ما قدمت يداه ، ولعله يوما يستطيع في رحلة أخرى أو قادمة أن يصلح ما أفسده ، فالنفوس تتعلم وتحمل دوما ميراثا تاريخيا نفسيا لا يزول ولا يتلاشى لمجرد مغادرة الجسد للوفاة ، ولكن يتزايد الميراث التاريخي للنفس عبر رحلاته المتتالية في الدنيا ، وعبر الأبعاد الزمنية المختلفة .

الزمن ثلاثي الأبعاد: نظرية تنسف نظرية أينشتاين - المصدر

ولعل كثير منا يلاحظ ظاهرة الميراث التاريخي في سلوكيات الأطفال ، وذلك عبر مراقبة تفاوت قدرات الفهم والوعي بين الأطفال المولودة اليوم ، وبين من ولدوا منذ عشر سنوات أو أكثر ، ويتضح ذلك جليا لدى كبار السن ، ومن رأوا أطفالا منذ عقود كثيرة مضت ، ويتعاملون حاليا مع الأطفال ، فيجدون أن أطفال اليوم أكثر وعيا وأسرع فهما لطبيعة الحياة ومتطلباتها ، ولا علاقة لذلك بقدور الذكاء ، ولكننا أحيانا نشعر أن هذا الطفل قد ولد من قبل مرات ومرات ، وتلك هي حقيقة لا افتراض ولا خيال ، فكل من على الأرض اليوم قد ولد من قبل مرات كثيرة ، وميراثهم التاريخي أكبر بكثير ممن ولدوا منذ سنوات أو عقود أو قرون ، فالنفوس لا تذكر تفاصيل من حيواتهم السابقة ، ولكن النفوس تحمل داخلها ذاكرة للمفاهيم والمعاني ، متزايدة بعدد مرات الحياة على الأرض ، ولذلك سوف تجد طفلك اليوم واعيا لطبيعة العلاقات الإنسانية ويجيد التعامل بمهارة نفسية أفضل بكثير منك حينما كنت طفلا .

كيف تكتشفين نوع ذكاء طفلك؟ | مجلة سيدتي

ولعل أهم ما يثبت حقيقة الميراث التاريخي النفسي للبشر ، أن الرسالات السماوية لبني آدم قد تم إنزالها تدريجيا لتتناسب مع تطور الميراث النفسي التاريخي للبشر ، بداية من تحريم بعض الأشياء والأفعال جاءت متدرجة ، حتى الحدود والعقوبات على الخطايا والذنوب نزلت متدرجة ، وهو ما نلاحظه مثلا .. في عقوبة الزنا للمحصن والتي كانت في التوراة (الرجم حتى الموت) ، ولكن باكتمال الميراث التاريخي النفسي للبشر ، تم تعديلها للجلد لتكون (مائة جلدة) في القرآن العظيم ، وكذلك المسموح بالزواج منهن كانت حتى عهد نبي الله إبراهيم مسموح بالزواج من الأخت غير التوأم ، ولم تحرم إلا في التوراة ، وكذلك العمة والخالة ، كما أنه لم يحرم زواج الربائب (ابنة الزوجة) إلا في الرسالة الأخيرة (القرآن العظيم) ، وبالطبع كان ذلك مراعاة من الخالق العظيم لمستويات تطور الميراث التاريخي النفسي للبشر ، فمستوى الوعي النفسي للبشر عبر الزمن يتطور تماما مثل تطور وعي الإنسان منذ ولادته وحتى بلوغه سن الرشد ، حيث بلغت البشرية رشدها في عهد خاتم الرسل وهو ما سجله سبحانه في كتابه العزيز على لسان الجن فيتعليقهم على سماعهم القرآن .. بقوله تعالى .. {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً }الجن10 ، وبالتالي فقدور الوعي والعلم الإنساني قد تزايدت عبر الزمن حتى وصلت لما نحن عليه الآن ، مقارنة بما كان البشر عليه منذ قرون طويلة مضت .

الإمام الشافعي رضي الله عنه

وإذا كان الإمام الشافعي منذ عدة قرون مضت قد غير معظم فتاويه في الفقه في أقل من عشر سنوات بعد وصوله لمصر واستقراره بها ، وقال قولته المشهورة { اختلف الناس والزمان والمكان فاختلفت الفتوى) ، فكيف يصر فقهاءنا اليوم على تطبيق فتاوى زمن مضى بنيت على فهم محدود بالزمان والمكان والبيئات في حينها ، ويريدون تطبيقها قسرا على المسلمين في عصرنا الحالي ، فالبشر اليوم أكثر وعيا وأسرع فهما وأسرع حركة وتنقلا واختلافا وجدلا ممن سبقهم في زمن الفتاوى والعلم المنقول ، ولذلك فكل الفقه يحتاج لتدقيق وتنقيح وتحقيق قبل أن نفرضه على المسلمين ، فنخسر الولاء والالتزام ويصبح الدين هو المتهم ، ثم نعود لنشكو من الانحراف والشرك بل وظهور الإلحاد بين المسلمين ، فنعيد تكرار ما حدث مع المسيحية مرة أخرى ، والتي نتيجة الجمود والتحجر تحولت لطقوس وشعارات لا يؤمن بها حتى رجال الدين أنفسهم ، وتفشى الفساد بشراسة في دور العبادة في أوروبا وأمريكا وما يتبعها من مدارس ملاجيء ومؤسسات ، دفعت بابا الفاتيكان الأسبق لإقرار محاكمة الأساقفة ورعاة الكنائس بعد ضبط وتوثيق المباحث الفيدرالية لجرائم بشعة تمت باسم الدين .

الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية تشعر بـ"العار والذهول".. أكثر من 216 ألف طفل ضحية اعتداءات جنسية ارتكبها رجال دين

ولا شك أن الفساد والانحراف هو نتاج طبيعي للضلال البشري ، كما أنه يعد من أهم وأخطر أسلحة تصحيح مسارات الاتزان الكوني ، لأن ابن آدم لا ينتبه إلا لو حدثت مشكلة أو كارثة تهز أعماقه بعنف ، فيتوقف ويراجع نفسه ، ويبدأ التغيير للأفضل ، ولكن الأمور في بعض دول الغرب وأمريكا دخلت بالفعل لطريق اللاعودة ، حيث بلغ بهم الانحراف بتقنين الشذوذ وتشجيعه ، وهو ما يوقعهم في سخط الله ، ووجوب عقابه الأزلي بالدمار والزوال ، وهو قادم لا محالة ، فدمارهم هو بالفعل أحد تراتيب الاتزان الكوني للخالق في خلقه ، ولعل باقي البشر يعتبر ويفيق ويعود لصراط الله المستقيم ، وربما تكون هي تراتيب النهاية لاستخلاف الجنس البشري على الأرض ، ولكن ذلك لن يكون في غضون سنوات ، لأن ملامح الاتزان الكوني تقول بأن ذلك قد يستلزم قرونا قادمة قبل النهاية المحتومة لاستخلاف البشر ، فتراتيب حركة الحياة على الأرض لها ملامح لابد وأن تكتمل ، ولابد لأجيال أخرى قادمة أن تشهدها ، وتعيش تطورها قبل النفخ في الصور ، وإعلان نهاية الاستخلاف لبني آدم على الأرض .

بعد القمامة وانقطاع الكهرباء «عبدة الشيطان» قلق جديد فى لبنان - الأهرام اليومي

ولذلك فمن إعجاز خلق الله للإنسان أن ضلالاته نفسها تعد أحد أدلة وجود الاتزان الكوني في خلق الله ، وذلك أن طفلك الصغير عندما تحرمه من شيء ، فإنه يتكدر ويغتم ويصيبه الإحباط فيهرب من واقعه بالنوم ، ليحلم بأنه قد نال ما يريده ، فيحدث له بعض الاتزان المطلوب ليستكمل حياته بالأمل ، وكذلك يفعل البشر عبر حياتهم مع اختلاف الوسيلة ، ووعبر التاريخ فإن أيسر السبل لتجاوز الإحباطات هو تأليف الأساطير التي تحمل الأمل في غد أفضل ، حتى في المسائل التي يعلم ابن آدم أنها مستحيلة ولن تتحقق ، فإنه يؤلف الأساطير عن الأبطال (السوبر هيرو) ، بداية من أساطير آلهة الرومان ، ومرورا بأساطير القديسين في التاريخ المسيحي ، ووصولا لسوبر مان وبات مان وسبيدر مان وغيرهم من أساطير بشرية تهدهد النفوس وتلملم إحباطاتها ، رغم علمهم أنها أساطير لن تتحقق ، ولكنها تداوي النفوس وتحدث توازنا يسمح للنفوس بتجاوز الإحباط واستكمال الحياة ، والبعض يجد اتزانه في الانتماء لجماعات هو يعلم في نفسه أنهم لصوص وتجار دين ، ولكنه يداوي بهم بعضا احباطاته ويرسم بهم الأمل ليستكمل رحلة حياته ، ولا نقول بأن ذلك هو الحق والصواب ، لأن الصواب هو فقط في أن نعرف الحقائق ، ونعترف بها كما هي ولا نحاول فرض أساطير الضلال على أنها الدين والحقيقة .

السعادة .. في رمضان (2) …. بقلم جمال عمر – اقلام مصرية

وأول الحقائق التي يجب أن لا تغيب عن ابن آدم ، أنه جاء للدنيا ليتم اختباره من خلال مهمة الاستخلاف على الأرض ، ومهمته عليها هي إعمارها بالعلم والعمل والكد والكدح ، وتلك هي العبادة ، ولأن صاحب الاختبار والمراقب والمحاسب هو الخالق العظيم ، فالاختبار هو نموذج فريد للعدل بين العباد ، فكل إنسان يأتي للحياة هو من (عباده) ، لأن العبادة هي إعمار الأرض (آداء المهمة التي خلقهم من أجلها) ، ومن العدل أن يجعل سبحانه  العبادة فطرة في النفوس ، فالكل يريد أن يحيا بأفضل من غيره وممن سبقه ، وفي ذلك عمار وتطور للحياة على الأرض ، وهو عين (العبادة) ، ولأنه سبحانه (العدل) فقد جعل لكل نفس اختبارات متعددة ومتتالية حتى لا تشعر نفس أنها قد ظلمت في اختبارها ، وحتى لا يكون لنفس يوم القيامة حجة على الله ، ومن روعة العدل أن النفس بطبيعة خلقها تجيد التكيف مع أي جسد تدخله ، فلو دخلت جسد ذكر فسوف تتأقلم وتحيا به (كرجل) ، ولو دخلت جسد أنثى فسوف تتأقلم وتتعايش به (كأنثى) ، ولذلك فلا مانع أن يأتي للدنيا كذكر مرات ، ويأتي كأنثى مرات أخرى ، وفي كل مرة يختبر في مواقف واختبارات مختلفة ، وهو ما أوضحه تفصيلا سبحانه لقوم مستضعفون بقوله تعالى .. {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ }يونس14 ، ولكي يفرق بين تكرار الحياة وبين استمرار الاستخلاف قال سبحانه .. {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام165.

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ﴾ #سورة_الأنعام: 165 🔹almaaref.org.lb 🔸t.me/almaarefpage 🔹Facebook.com/almaaref.org.lb 🔸x.com/almaareflb 🔹youtube.com/@user ...

فلفظ (خلائف) فيه تكرار الاستخلاف للبشر المخاطبين ، وقوله تعالى (لننظر كيف تعملون) .. قرار من الحق بأنهم سوف يكونوا مختبرين في استخلافهم من بعد القوم الجبارين ، وهناك عشرات الآيات التي تؤكد عودة النفس للحياة في أجساد مختلفة ليتم استكمال اختباراتها ، ولولا تكرار الاختبارات ، لكان من الظلم أن تختبر كل نفس في حالة وحيدة ولمرة واحدة ، وتلك هي الأكذوبة التي أقنع إبليس بها الغالبية العظمى من البشر ، ليسهل فسادهم وانحرافهم ، ثم صور لهم خرافات وأساطير ليعالج الضلالات بضلالات أخرى ، فاستقر في نفوس المسلمين بوجود حياة في القبور ونعيم وعذاب في القبور ، ولو كان لدى المصدقين ذرة من منطق وفكر ، لاكتشفوا أن ذلك مستحيل لأن الله القادر على كل شيء ، من الأولى أن يعيد النفس للحياة في جسد آخر مرات ومرات ، بدلا من منحه حياة ونعيما وعذابا في القبور ، وكيف يعذب من في القبور التي لا تحوي سوى أجسادا بالية تتحول إلى تراب ، بل ومعظم تراب الأرض التي نسير عليها كان يوما جزءا من أجساد البشر والحيوان والنبات ، ولذلك تعد فكرة حياة القبور من أغبى الخرافات والضلالات الإنسانية . ويستتبعها بالطبع حالات حماقة تمجيد أجساد الموتى والعناية بها ، ودفن أشياء معه ، ظنا أنه في حاجة لهذا الجسد البالي عندما يعود للحياة ، وكان أولى أن نعلم أن الخالق العظيم عندما يعيد نفسا للحياة  فسوف يمنحها جسدا جديدا كم منحها من قبل .

اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ – اجمل واروع الصور الاسلامية والدينية 2025

وأخيرا .. لا شك أن هذه الضلالات والأساطير لا يستفيد منها سوى إبليس ، الحريص على إضلال البشر ، وافقادهم الاتزان والتوافق مع الكون المحيط بهم ، ورغم ذلك فالشفرة الإلهية المسيطرة على خلق الله وحركة حياتهم ، هي دوما قادرة على رد البشر وتقويم أحوالهم عبر الزمن ، حتى ولو كان التقويم فيه إهلاك وهلاك بعض البشر ، ليعتبر غيرهم من المنحرفين والضالين بغير علم ، فالشفرة الإلهية هي شفرة معجزة وشاملة في السكون والحركة ، وفي الموت والحياة ، والصورة والأصل ، وبالتالي هي عنصر التوازن في كل علوم الله للبشر ، بداية من علوم الكلام الأدبية ومرورا بعلوم الفيزياء والطب والكيمياء والفلك والهندسة وحتى علوم السحر وخوارق الطبيعة ، .. وهو ما سوف نستعرضه لاحقا …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

ماذ ينتظرنا .. بعد الموت (1) ؟؟؟ … بقلم : جمال عمر

بعيدا عن الحروب والصراعات ، وأوهام وأخبار وإشاعات البشر .. وحيرة البعض .. ما بين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *