أحلامنا ما بين .. الأمل والواقع …. بلقم : جمال عمر

نعم .. لابد أن يكون لنا أحلام ، وأن نحاول تحويلها إلى آمال قابلة للتحقيق ، ومن حقنا محاولة جعل الآمال حقيقة واقعة ، وهكذا تمضي حياتنا في الدنيا ، ما بين الحلم والأمل وما بين الحقيقة والواقع ، ولا توجد نفس لا تحلم وتتمنى ، وتأمل أن تتحقق أحلامها ، حتى نفوس الأموات لأنها تحلم بأن تكون الرحلة بعد مغادرة الجسد أفضل ، فنحن نفوس مدمنة للأحلام والآمال بالفطرة ، وقد أثبت الله لنا الحق في ذلك ، عندما أخبرنا عما أعد للمؤمنين في الجنة ،  {لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ }يس57 ، فخالق النفوس يخبرنا باستجابته لادعائتنا طبقا لطبيعة خلق نفوسنا ، التي تحلم وتأمل ثم تدعي بوجود ما نتمنى ونحلم به ، ولكن .. المعضلة أن النفس في الدنيا قد خلقها الله ، ولها حدود لا تتعداها ، منها حدود لا تستطيع تجاوزها مجبرين عليها ، كحدود الميلاد والنشأة كالوالدين والبيئة والنوع والجسد والقدرات والعمر والمقدر والمكتوب لنا ، وحدود أخرى فرضها سبحانه وترك لنا حرية الاختيار ما بين الوقوف عندها مجبرين أنفسنا على عدم تجاوزها بمطلق إرادتنا ، أو تخطيها بإرادتنا متجاهلين أوامر الله ونواهيه ، ونحن نعلم أننا محاسبون عليها ، وكلا من النوعين للحدود نحن مختبرون فيها ، فالأولى المفروضة علينا نحن مختبرون في حسن التعامل بها ومعها ، والثانية في مختبرون في نوعية اختياراتنا (طاعة أو عصيانا) ، وهو ما يذكرنا دوما أن الحرية المطلقة هي وهم يوسوس به إبالسة الإنس والجن لتخريب حياة البشر .

نعم من حقي أن أحلم بحياة رغدة تسعد النفس وتريح القلب ، ولكن الحقيقة أن تحقيق رغبات النفس والاستجابة والسعي خلف شهواتها لا تحقق السعادة مطلقا ، لأن الثراء الواسع مثلا .. يقتل راحة البال في النفوس ، قلقا على المال والأملاك ، ويشغل النفس عن القرب من الله ، بل إنه قد يقتل الإيمان في القلب ، فكل شيء في الدنيا له ثمنه ، وحبك الزائد لشيء في الدنيا الذي يدفعك للهرولة خلفه دون تفكر وتدبر ، سوف يفقدك الوعي والفهم بل والدين والحياء والأخلاق ، لدرجة أنك ترى راقصة تتحدى الله بكل ذرة من جسدها وأفعالها وممارستها لحركة حياتها من أجل المال والشهرة والمتع ، وتظن أنها تستطيع أن تخدع نفسها وغيرها والأهم ربها ، فتقيم مأدبة الرحمن كل رمضان ، وتحج وتعتمر عشرات المرات ، وهي ترى أنها تغسل كل ذنوبها بذلك ، متجاهلة أنها تفعل كل ذلك الخير باستخدام ( المال الحرام) ، ولا تعلم أن الله يسخرها ليعيد للفقير ما سرق منه ، دون أن يكون لها نصيب من حسنات ، غير أنها لا ترى أنها مذنبة ، لأنها فقدت مفهوم الإيمان في قلبها ،  {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ }المطففين14 ، وللأسف ليست وحدها ، فمثلها معظم رجال الجماعات والفرق الدينية الشهيرة (إخوان – سلف – صوفية – جهادية – شيعية …) ، يعلمون جيدا أن انتماءهم للفرق والجماعات هو شرك صريح بالله ولكنهم يكابرون ويجحدون ، لقول الله تعالى في سورة الروم {… وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ{31} مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ{32} ، فهم لن يفرطوا فيما نالوه بالانتماء للفرق من المال والاحترام وأحيانا التقديس ، وكذلك الغالبية العظمى من الناس ترى أنها على حق ، وكثير منهم يتنطع على الله في خلقه ، ويسرق قوت غيره بل ويسرق مرتبه ويرشو ويختلس ويهدر المال العام ويسرقه ، ويظن أنه أقرب الناس لله ، ليحق عليه قول الحق .. {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً }الكهف103 ،104 ، ولذلك كلما زادت نعم الله عليك ، فأكثر من محاسبتك لنفسك على كل صغيرة وكبيرة ، فالنفس أمارة بالسوء ، والوسواس الخناس لا يكل ولا يمل من وساوس الضلال .

نعم .. يجب أن نحاسب أنفسنا كثيرا وعلى كل شيء ، لأننا جئنا الدنيا ليتم اختبارنا ، في كل شيء لدينا أو يأتينا ، على عكس الفكر السائد في عقول ونفوس الغالبية العظمى من البشر ، أنهم جاءوا الدنيا ليستمتعوا ويستزيدوا من المكاسب والمتع ، ويلبون رغباتهم وشهواتهم ويصرون على تحقيق أحلامهم كاملة ، ويظنون أنهم بذلك سوف يكونون سعداء ، وهذا هو قمة الحماقة والجهل بناموس الله وقوانينه الأزلية في خلقه للبشر ، لأن الله خلق نفوسنا بتركيبة شديدة التعقيد والبساطة ، نعم شديدة في النقيضين ، ولذلك فمنتهى الغباء والسذاجة أن تعتقد أن السعادة في تحقيق جميع شهواتك ورغباتك ، لأسباب عديدة ، أولها لأن الله خلق النفوس وجعل قوتها وسعادتها في استمرار الكد والكدح واغتراف العلم والعمل به وتعليمه للغير ، وتذوق النجاح والفشل تباعا لتزداد سعيا وكدحا ، وثانيها .. أنه سبحانه خلق نفوس البشر وجعلها لا تصل إلى قمة سعادتها ، إلا عندما تشعر أنها كبيرة وقوية وقادرة على إسعاد غيرها بالعطاء أو الجهد ، وأبسط أدلتها هو العلاقة بين الرجل وزوجته ، فالعلاقة تدوم ويذوقان السعادة معا عندما يكون الهدف الرئيسي من الزواج لدى كل منهما هو إسعاد الطرف الآخر وراحته ، بينما سرعان ما تنهار العلاقة بينهما عندما يكون هناك كل من الطرفان باحث عن سعادته وراحته وحده ، لأن حينها سوف تكون الفائدة الوحيدة هي اقتناص المتعة ، والتي تصبح ادمانا وتزيد من تعاسة صاحبها ، لأنه لا يحقق معها السعادة والتي هي الرضا للطرفان.

‫أغرب 5 عادات زواج في العالم.. طقوس البكاء ومخيمات الدهون - الوطن‬‎

ولذلك نلاحظ دوما أن الحب والعشق سيء السمعة ، لأنه أخطر أسباب فشل الزواج واستمراره ، لأن كل منهما يحلم بأن الآخر سوف يكون مثاليا ويحقق له أحلامه وأمانيه من المتعة والراحة ، ولم يفكر أيا منهما كيف سيحاول إسعاد الآخر ، فالعاشق والعاشقة التي تتخيل أن الطرف الآخر لابد وأن يكون مصدرا لسعادته ، ويتناسى تماما أنه هو الذي لابد أن يكون مصدرا لراحة وسعادة الطرف الآخر ، هذا العاشق أو العاشقة أغبياء وحمقى بامتياز ، لأنهما يجهلان ناموس (قوانين) الله في خلقه للنفوس ، والتي أولها .. أن الطرف الآخر هو خلق الله ومن عياله ويحبه كما يحبك ، وإذا عزمت وقررت أن تسعده فأنت تجامل الله في أحد عياله ، وسوف يرد الله لك جميلك بأن يسخر لك هذا الإنسان ليسعدك دون أن تدري ، والأهم .. أن ما تتمناه وتريده من الطرف الآخر أن يفعله ، هو بيد الله ، ولن ينالك منه إلا ما يشاء الله لك أن تناله ، فإن لم ترضي الله فلن تنال إلا ما يخزيك ويحزنك ، فأنت في الدنيا ليس لتأخذ فقط ، ولكن لتعطي أولا بقدر ما تريد ، لأنك لن تنال إلا ما يشاء الله لك أن تأخذه ، فلابد أن تقدم لله ثمن ما تأخذه على قدر استطاعتك إلى شريك حياتك ، فيعطيك الله من شريك حياتك على قدر كرم الله وسعة عطاءه .

‫بالصور .. ما هي الفرقة 999.. اخطر وحدة في القوات المسلحة المصرية .. المرتبة الثانية على العالم .. وميزانية‬‎

نعم .. خلقنا الله بنفوس لها طبيعة خلق مختلفة ومعجزة ، وعلى النقيض من كل ظنون البشر وتخيلاتهم ، ففطرة خلق النفوس تفرض عليها أن تتعب وتكابد وتصبر وتكد وتكدح ، لأن في ذلك قوتها وراحتها وسعادتها ، ولذلك من يحلم بالراحة هو عاجز جاهل ويتميز بغباء شديد ، لأن كسله وميله للراحة سيكون سبب تعاسته ، فالراحة تفسد الأجساد مبكرا ، ولذلك كنا نسمع وما زلنا نرى رجالا أشداء في السبعين ويتزوجون وينجبون وزوجاتهم سعيدة وراضية ، وشبابا سرعان ما يصبحون كهولا عاجزة وهي تحت الأربعين ، لأنهم عشقوا الراحة واستعذبوها فمات شباب أجسادهم مبكرا ، وولذلك فأطفالنا الذين نربيهم على رغد العيش وتلبية كل رغباتهم ، سيصبحوا رجالا وأزواجا عاجزة وفاشلة وربما بعضهم مجرمين ، لأن نفوسهم اعتادت على الحصول على ما تريد دون عناء أو تعب ، فالنفوس والأجساد تقوى بالكد والكدح ، وتلك حكمة ناموس الله في خلقه ، ولذلك تجد معظم أنبياء ورسله تربوا يتامى ، لأنه سبحانه خلقهم لمهام جليلة تحتاج للجلد والقوة ، وكذلك عامة البشر خلقهم بمهمة وحيدة ، وهي إعمار الأرض بالعلم والعمل كدا وكدحا ، وهو مقدر ومكتوب على الإنسان طوال حياته ، ولذلك قال له سبحانه .. {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ }الانشقاق6 ، وسيظل كل إنسان كادحا في الدنيا حتى يلقى ربه ، ولذلك أخبرنا سبحانه أنه خلق كل البشر في كبد وتعب .. {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ }البلد4 ، ثم منحنا الله حرية الاختيار للكبد ، فإما أن يكون كبدك في الدنيا هو العمل والكد والكدح لإعمار الدنيا لغيرك فتكسب رضا ربك ويمنحك الصحة والقوة وراحة النفس والجنة في الآخرة ، وإما تختار الهرب من التعب والكبد باحثا عن الراحة والمتعة فيكون كبدك هما ومرضا وحرمانا ومصائب في الدنيا تكدر عليك حياتك ونفسك ، ولذلك نقول لشبابنا دوما .. لا تتمنى الراحة فتمرض ، ولا تشكو من تعب عملك فتحرم من نعمته ، ولا تشكو من أولادك فتحرم منهم ، ولا تشكو من طمع الناس في مالك فيفقرك ربك ، ورحم الله وليا صالحا كان يقول عندما يسرقه أحد أو يضايقه أحد في أملاكه .. الحمد لله الذي رزقني مالا وملكا تطمع الناس فيه ، وكان يقول .. لا تجعل كبد النعمة في حياتك توقظ شرور نفسك فيحرمك الله منها .

‫من هي الناشز - موضوع‬‎

وبالطبع سوف تجد هذا الفكر المريض متفشي بين الناس ، والمبني على انعدام الثقة في الله ، فكثير من الشباب خاصة البنات يؤكدون أنهم لو قدموا لشريك حياتهم كل ما يستطيعون ، فإنه سوف يجور عليهن ويعتاد أن يأخذ ولا يقدم شيئا ، وهؤلاء بالطبع لديهم خلل في فطرة نفوسهن المريضة ، فيعتقدن أن الطرف الآخر لن يكون أفضل منهن ، فالنفس الطيبة تعتقد أن كل الناس طيبين ، والنفوس اللئيمة الفاسدة تؤكد دوما أن غيرها فاسد ولئيم ولا خير فيه ، لأنها تعلم ما نفوسها ، وبالتالي فهي لن تتخيل أن هناك نفوسا أفضل متها ، ولذلك نقول للشاب والفتاة ، اهرب سريعا لو اكتشفت أن الطرف الآخر سيء الظن بالناس ، لأنه مريض نفسي ، والابتعاد عنه أولى وأصلح ، ومرض النفوس لا يأتي فجأة ، بل هو نتاج تربية سيئة فاقدة لليقين والإيمان والثقة في الله ، وما أكثرها في الدنيا ، خاصة في ظل سيول مسلسلات الدراما والأفلام والتوك شو وبرامج المرأة التي تديرها المطلقات والمنحرفات وفاقدي الدين والأخلاق ، ويصدقهم كثير من النساء والبنات خاصة ضحايا شبكات التواصل الاجتماعي ، ويكفي أن تعرف ذلك بمجرد ملاحظة ملابس البنات والنساء ، والأمهات التي لا تهتم أن بناتها يذهبن للمدارس بمكياج وبنطلونات ضيقة ، فالأمهات تفعل نفس الشيء عند خروجها للسوق أو للعمل ، ويرين في ذلك راحة وحق وحرية شخصية ولا عيب فيه ، { … وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ }النور15 .

 

أخيرا .. نعم من حقنا أن نحلم ، وتكون لنا أحلاما وآمالا في الدنيا ، لأن ذلك ما يجعل الحياة تستمر ، ولكن آمالنا ليست مطلقة ، فأولا يجب أن تكون أحلامنا في حدود ما يرضي الله ، وثانيا يجب أن نعلم أنها أحلام مبنية على ضيق حدود عقولنا وضعف نفوسنا ، فإذا تحققت فيجب أن نعلم أنها تحققت لأن الله شاء لها أن تتحقق ، وإن لم تتحقق فالحمد لله أنه لم يشأ أن تتحقق ، لأنها من المؤكد كان فيها شرا لنا في ديننا ودنيانا ونحن لا نعرف ، ولو علمنا الغيب لاخترنا الواقع ، وما لم يتحقق فهو يفتح أبوابا لآمال جديدة في الدنيا ، والله عليم بصير وحنان بعباده ولو رضينا بما قدره لعوضنا بما يسعد قلوبنا ، ولابد أن نحسن اختيار آمالنا جيدا ، فلا نترك النفس تتعلق بما هو حرام ومنهي عنه ، ولا نتعلق نفوسنا بما يرهقنا في الدنيا ، وينسينا لماذا جئنا للدنيا ، ولا يجوز لنا أن نحلم بما يضر غيرنا ، لأننا تحملنا أمانة الإحسان في اختياراتنا ، ولكي نمضي في الدنيا بنجاح فلابد أن يكون لدينا مخطط يومي لما سوف نفعله غدا من عمل صالح يرضي ربنا ، فهذا ليس رفاهية ولكنه واجب ديني وعلمي وعلمي لمن يريد أن يحيا الدنيا دون فشل متكرر وانتكاسات ، ولابد أن يكون لكل منا أهدافا مشروعة ترضي الله من حياته كلها ، ويسعى لتحقيقها بجد واجتهاد وأمانة ، والله لايضيع أجر من أحسن عملا في الدنيا ولا في الآخرة ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

ماذ ينتظرنا .. بعد الموت (1) ؟؟؟ … بقلم : جمال عمر

بعيدا عن الحروب والصراعات ، وأوهام وأخبار وإشاعات البشر .. وحيرة البعض .. ما بين …

تعليق واحد

  1. جزاك الله كل الخير و البركة في عملكم وأسعد الله قلوبكم في الدنيا والآخرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *